الصفحة 126 من 226

ثم كثيرًا ما يذكر بعض الشيوخ أنه يحتج على قول القائل: [اللّه] بقوله: {قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ} ويظن أن اللّه أمر نبيه بأن يقول: الاسم المفرد، وهذا غلط باتفاق أهل العلم، فإن قوله: {قٍلٌ بلَّهٍ} معناه: اللّه الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، وهو جواب لقوله: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلْ اللَّهُ} [الأنعام: 91] ، أي: اللّه الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، رد بذلك قول من قال: ما أنزل اللّه على بشر من شيء، فقال: {مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} ثم قال: {قُلْ اللَّهُ} أنزله {ثُمَّ ذَرْهُمْ} هؤلاء المكذبين {فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} .

ومما يبين ما تقدم: ما ذكره سيبويه وغيره من أئمة النحو أن العرب يحكون بالقول ما كان كلامًا، لا يحكون به ما كان قولًا، فالقول لا يحكى به إلا كلام تام، أو جملة اسمية أو فعلىة؛ ولهذا يكسرون أن إذا جاءت بعد القول، فالقول لا يحكى به اسم، واللّه ـ تعالى ـ لا يأمر أحدًا بذكر اسم مفرد، ولا شرع للمسلمين اسمًا مفردًا مجردًا، والاسم المجرد لا يفيد الإيمان / باتفاق أهل الإسلام، ولا يؤمر به في شيء من العبادات، ولا في شيء من المخاطبات.

ونظير من اقتصر على الاسم المفرد ما يذكر أن بعض الأعراب مر بمؤذن يقول: [أشهد أن محمدًا رسول اللّه] بالنصب فقال: ماذا يقول هذا؟ هذا الاسم فأين الخبر عنه الذي يتم به الكلام؟

وما في القرآن من قوله: {وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8] ، وقوله: {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] ، وقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14، 15] ، وقوله: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 96] ، ونحو ذلك لا يقتضي ذكره مفردًا، بل في السنن أنه لما نزل قوله: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 96] ، قال: (اجعلوها في ركوعكم) ولما نزل قوله: {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} قال: (اجعلوها في سجودكم) . فشرع لهم أن يقولوا في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود سبحان ربي الأعلى، وفي الصحيح أنه كان يقول في ركوعه: (سبحان ربي العظيم) وفي سجوده: (سبحان ربي الأعلى) وهذا هو معنى قوله: (اجعلوها في ركوعكم) و (سجودكم) باتفاق المسلمين.

فتسبيح اسم ربه الأعلى وذكر اسم ربه، ونحو ذلك هو بالكلام التام المفيد، كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الكلام بعد القرآن أربع ـ وهن من القرآن ـ: سبحان /اللّه، والحمد للّه، ولا إله إلا اللّه، واللّه أكبر) ، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان اللّه وبحمده، سبحان اللّه العظيم) ، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال في يومه مائة مرة: لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كتب اللّه له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسى، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا رجل قال مثل ما قال أو زاد عليه. ومن قال في يومه مائة مرة: سبحان اللّه وبحمده سبحان اللّه العظيم، حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر) ، وفي الموطأ وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) . وفي سنن ابن ماجه وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الذكر لا إله إلا اللّه، وأفضل الدعاء الحمد للّه) .

ومثل هذه الأحاديث كثيرة في أنواع ما يقال من الذكر والدعاء.

وكذلك ما في القرآن من قوله تعالى: {وَلَا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] ، وقوله: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4] ، إنما هو قوله: بسم اللّه. وهذا جملة تامة إما اسمية، على أظهر / قولي النحاة، أو فعلىة، والتقدير ذبحي باسم اللّه، أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت