الصفحة 127 من 226

أذبح باسم الله، وكذلك قول القارئ: {بِِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فتقديره: قراءتي بسم اللّه، أو أقرأ بسم اللّه.

ومن الناس من يضمر في مثل هذا ابتدائي بسم اللّه، أو ابتدأت بسم اللّه. والأول أحسن؛ لأن الفعل كله مفعول بسم اللّه، ليس مجرد ابتدائه، كما أظهر المضمر في قوله: {اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] ، وفي قوله: {بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود: 41] ، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى. ومن لم يكن ذبح فليذبح بسم اللّه) . ومن هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لربيبه عمر بن أبي سلمة: (بسم اللّه، وكل بيمينك، وكل مما يليك) فالمراد أن يقول بسم اللّه. ليس المراد أن يذكر الاسم مجردًا. وكذلك قوله في الحديث الصحيح لعدي بن حاتم: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم اللّه فكل) ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل الرجل منزله فذكر اسم اللّه عند دخوله، وعند خروجه. وعند طعامه، قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء) وأمثال ذلك كثير.

وكذلك ما شرع للمسلمين في صلاتهم وأذانهم، وحجهم وأعيادهم من ذكر اللّه تعالى إنما هو بالجملة التامة. كقول المؤذن: اللّه أكبر، اللّه / أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللّه، أشهد أن محمدًا رسول اللّه، وقول المصلي: الله أكبر، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، سمع اللّه لمن حمده، ربنا ولك الحمد، التحيات للّه، وقول الملبي: لبيك اللّهم لبيك، وأمثال ذلك، فجميع ما شرعه اللّه من الذكر إنما هو كلام تام، لا اسم مفرد لا مظهر ولا مضمر، وهذا هو الذي يسمى في اللغة كلمة، كقوله: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان اللّه وبحمده سبحان اللّه العظيم) ، وقوله: (أفضل كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ماخلا اللّه باطل) ، ومنه قوله تعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} الآية [الكهف: 5] ، وقوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: 115] ، وأمثال ذلك مما استعمل فيه لفظ الكلمة في الكتاب والسنة، بل وسائر كلام العرب فإنما يراد به الجملة التامة، كما كانوا يستعملون الحرف في الاسم، فيقولون: هذا حرف غريب. أي: لفظ الاسم غريب.

وقسم سيبويه الكلام إلى اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى، ليس باسم وفعل، وكل من هذه الأقسام يسمى حرفًا، لكن خاصة الثالث أنه حرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل، وسمى حروف الهجاء باسم الحرف وهي أسماء، ولفظ الحرف يتناول هذه الأسماء وغيرها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف/ عشر حسنات: أما أني لا أقول: {الم} حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) ، وقد سأل الخليل أصحابه عن النطق بحرف الزاي من زيد فقالوا: زاي، فقال: جئتم بالاسم، وإنما الحرف [ز] .

ثم إن النحاة اصطلحوا على أن هذا المسمى في اللغة بالحرف يسمى كلمة، وأن لفظ الحرف يخص لما جاء لمعنى، ليس باسم ولا فعل، كحروف الجر ونحوها، وأما ألفاظ حروف الهجاء فيعبر تارة بالحرف عن نفس الحرف من اللفظ، وتارة باسم ذلك الحرف، ولما غلب هذا الاصطلاح صار يتوهم من اعتاده أنه هكذا في لغة العرب، ومنهم من يجعل لفظ الكلمة في اللغة لفظًا مشتركًا بين الاسم مثلا وبين الجملة، ولا يعرف في صريح اللغة من لفظ الكلمة إلا الجملة التامة.

والمقصود هنا أن المشروع في ذكر الّله ـ سبحانه ـ هو ذكره بجملة تامة وهو المسمى بالكلام، والواحد منه بالكلمة، وهو الذي ينفع القلوب، ويحصل به الثواب والأجر، والقرب إلى اللّه ومعرفته ومحبته وخشيته، وغير ذلك من المطالب العالية والمقاصد السامية، وأما الاقتصار على الاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا فلا أصل له. فضلا عن أن يكون من ذكر الخاصة والعارفين،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت