الصفحة 3 من 226

ثم ذكر أنه أقبل بهمته على طريق الصوفية، وعلم أنها لا تحصل إلا بعلم/ وعمل، فابتدأ بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم، مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي، وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد، حتى طلع على كنه مقاصدهم العلمية.

ثم إنه علم يقينا أنهم أصحاب أحوال، لا أصحاب أقوال، وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم قد حصله، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالتعلم والسماع، بل بالذوق والسلوك.

قال: وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستها، والمسالك التي سلكتها في التفتيش عن صنفي العلوم الشرعية، والعقلية إيمان يقيني بالله، وبالنبوة وباليوم الآخر.

وهذه الأصول الثلاثة - من الإيمان - كانت قد رسخت في نفسي بالله لا بدليل معين مجرد، بل بأسباب وقرائن وتجارب، لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها، وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع في سعادة الآخرة إلا بالتقوى. وذكر أنه تخلى عشر سنين. إلى أن قال: انكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به: أني علمت يقينا، أن الصوفية هم السالكون لطريق الله خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئا من سيرهم، وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلا.

/فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من مشكاة نور النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به.

وبالجملة، فماذا يقول القائلون في طريق طهارتها؟ وهي أول شروطها تطهير القلب بالكلية عما سوى الله، ومفتاحها استغراق القلب بذكر الله.

قلت: يستفاد من كلامه أن أساس الطريق: هي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، كما قررته غير مرة. وهذا أول الإسلام، الذي جعله هو النهاية، وبينت الفرق بين طريق الأنبياء، وطريق الفلاسفة والمتكلمين، لكن هو لم يعرف طريقة أهل السنة والحديث، من العارفين، فلهذا لم يذكرها، وهي الطريقة المحمدية المحضة، الشاهدة على جميع الطرق.

والسهروردي الحلبي، المقتول، سلك النظر والتأله جميعا، لكن هذا صابئي محض، فيلسوف لا يأخذ من النبوة إلا ما وافق فلسفته، بخلاف ذينك وأمثالهما.

ثم منهم من لا يعرف إلا طريقة النظر والقياس ابتداء، كجمهور المتكلمين من الجهمية والمعتزلة، والأشعرية، وبعض الحنبلية.

ومنهم من لا يعرف ابتداء إلا طريقة الرياضة، والتجرد والتصوف، ككثير من الصوفية والفقراء الذين وقعوا في الاتحاد، والتأله المطلق، مثل: عبد الله الفارسي، والعفيف التلمساني ونحوهما. ومنهم من قد يجمع كالصدر القوْنَوِي ونحوه.

/والغالب عليهم عالم التوهم. فتارة يتوهمون ما له حقيقة، وتارة يتوهمون ما لا حقيقة له، كتوهم إلهية البشر، وتوهم النصاري، وتوهم المنتظر، وتوهم الغوث المقيم بمكة أنه بواسطته يدبر أمر السماء والأرض، ولهذا يقول التلمساني: ثبت عندنا بطريق الكشف ما يناقض صريح العقل.

ولهذا أصيب صاحب الخلوة بثلاث توهمات:

أحدها: أن يعتقد في نفسه أنه أكمل الناس استعدادًا.

والثاني: أن يتوهم في شيخه أنه أكمل من على وجه الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت