فهرس الكتاب
مشرد عن الوطن**مبعد عن السكن
/يبكي الطول والدمن**يهوى ولا يدري لمن
فالشيخ ـ أحسن الله إليه ـ قد جعل الله فيه من النور والمعرفة ـ الذي هو أصل المحبة والإرادة ـ ما تتميز به المحبة الإيمانية المحمدية المفصلة، عن المجملة المشتركة، وكما يقع هذا الإجمال في المحبة يقع أيضا في التوحيد، قال الله تعالى في أم الكتاب، التي هي مفروضة على العبد ـ وواجبة في كل صلاة ـ أن يقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]
وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله يقول: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: نصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قال الله: أثني علىَّ عبدي، وإذ قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال: مجدني عبدي أو قال: فوض إلى عبدي، وإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال: فهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عليهمْ غَيرِ المَغضُوبِ عليهمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} قال: فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل) ولهذا روى أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب، جمع معانيها في القرآن، ومعاني القرآن في المفصل، ومعاني المفصل في أم الكتاب، ومعاني/ أم الكتاب، في هاتين الكلمتين: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وهذا المعنى قد ثناه الله في مثل قوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عليه} [هود: 123] ، وفي مثل قوله: {عليه تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 10] ، وقوله: {عليه تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} [الرعد: 30] .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في نسكه: (اللهم هذا منك ولك)
فهو ـ سبحانه ـ مستحق التوحيد، الذي هو دعاؤه وإخلاص الدين له: دعاء العبادة بالمحبة والإنابة، والطاعة والإجلال، والإكرام والخشية، والرجاء، ونحو ذلك من معاني تألهه وعبادته، ودعاء المسألة والاستعانة بالتوكل عليه، والالتجاء إليه، والسؤال له، ونحو ذلك مما يفعل ـ سبحانه ـ بمقتضى ربوبيته، وهو ـ سبحانه ـ الأول والآخر، والباطن والظاهر.
ولهذا جاءت الشريعة الكاملة في العبادة باسم الله، وفي السؤال باسم الرب، فيقول المصلي والذاكر: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وكلمات الأذان: الله أكبر الله أكبر إلى آخرها ونحو ذلك.
وفي السؤال: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} [الأعراف: 23] ، {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} [نوح: 28] ، {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ على فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 17] ، {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16] ، {ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} [آل عمران: 147] ، {رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 118] ، ونحو ذلك.
/ وكثير من المتوجهين السالكين يشهد في سلوكه الربوبية، والقيومية الكاملة الشاملة لكل مخلوق، من الأعيان والصفات.
وهذه الأمور قائمة بكلمات الله الكونية، التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بها فيقول: (أعوذ بكلمات الله التامات، التي لا يجاوزهن بَرٌّ ولا فاجر من شر ما خلق، وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن) .
فيغيب ويفنى بهذا التوحيد الرباني عما هو مأمور به أيضا ومطلوب منه، وهو محبوب الحق ومرضيه من التوحيد الإلهي، الذي هو عبادته وحده لا شريك له، وطاعته وطاعة رسوله، والأمر بما أمر به، والنهي عما نهى عنه، والحب فيه، والبغض فيه، ومن أعرض عن هذا