الصفحة 43 من 226

التوحيد وأخذ بالأول، فهو يشبه القدرية المشركية الذين قالوا: {لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا} [الأنعام: 148] .

ومن أخذ بالثاني دون الأول، فهو من القدرية المجوسية الذين يزعمون أن الله لم يخلق أفعال العباد، ولا شاء جميع الكائنات، كما تقول المعتزلة والرافضة، ويقع في كلام كثير من المتكلمة والمتفقهة.

والأول ذهب إليه طوائف من الإباحية المنحلين عن الأوامر والنواهي، وإنما يستعملون ذلك عند أهوائهم وإلا فهو لا يستمر، وهو كثير في المتألهة / الخارجين عن الشريعة خفو العدووغيرهم، فإن لهم زهادات وعبادات فيها ما هو غير مأمور به، فيفيدهم أحوالا فيها ما هو فاسد، يشبهون من بعض الوجوه الرهبان وعباد البدود.

ولهذا قال الشيخ عبد القادر ـ قدس الله روحه: كثير من الرجال إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وأنا انفتحت لي فيه رَوْزَنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والولي من يكون منازعا للقدر لا من يكون موافقا له.

وهذا الذي قاله الشيخ تكلم به على لسان المحمدية، أي أن المسلم مأمور أن يفعل ما أمر الله به، ويدفع ما نهى الله عنه، وإن كانت أسبابه قد قدرت، فيدفع قدر الله بقدر الله، كما جاء في الحديث الذي رواه الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض) ، وفي الترمذي قيل: يا رسول الله، أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها، وتقى نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال: (هن من قدر الله) .

وإلى هذين المعنين أشار الحديث الذي رواه الطبراني أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يقول الله: يابن آدم، إنما هي أربع: واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين خلقي. فأما التي / لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا، وأما التي لك فعملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه، وأما التي هي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلى الإجابة، وأما التي بينك وبين خلقي فائت إلى الناس بما تحب أن يأتوه إليك)

ثم إن التوحيد الجامع لتوحيد الألوهية والربوبية، أو توحيد أحدهما، للعبد فيه ثلاثة مقامات:

أحدها: مقام الفرق والكثرة بإنعامه من كثرة المخلوقات والمأمورات.

والثاني: مقام الجمع والفناء، بحيث يغيب بمشهوده عن شهوده، وبمعبوده عن عبادته، وبموحده عن توحيده، وبمذكوره عن ذكره، وبمحبوبه عن حبه، فهذا فناء عن إدراك السوى وهو فناء القاصرين.

وأما الفناء الكامل المحمدي، فهو الفناء عن عبادة السوى، والاستعانة بالسوى، وإرادة وجه السوى، وهذا في الدرجة الثالثة، وهو شهود التفرقة في الجمع، والكثرة في الوحدة، فيشهد قيام الكائنات مع تفرقها بإقامة الله تعالى وحده وربوبيته.

ويرى أنه ما من دابة إلا ربي آخذ بناصيتها، وأنه على كل شيء وكيل، وأنه رب العالمين، وأن قلوب العباد ونواصيهم بيده، لا خالق غيره ولا نافع ولا ضار، ولا معطي ولا مانع ولا حافظ ولا معز ولا مذل سواه، ويشهد أيضا / فعل المأمورات مع كثرتها، وترك الشبهات مع كثرتها لله وحده لا شريك له.

وهذا هو الدين الجامع العام الذي اشترك فيه جميع الأنبياء، والإسلام العام والإيمان العام، وبه أنزلت السور المكية، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وصينَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] ، وبقوله: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت