الصفحة 47 من 226

فإن الجاهل يقول: هذا حجر وشجر، والعارف يقول: هذا مجلى إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر، فإن النصارى إنما كفروا؛ لأنهم خصصوا، وإن / عبّاد الأصنام ما أخطؤوا إلا من حيث اقتصارهم على عبادة بعض المظاهر، والعارف يعبد كل شيء.

والله يعبد ـ أيضا ـ كل شيء لأن الأشياء غذاؤه بالأسماء والأحكام، وهو غذاؤها بالوجود، وهو فقير إليها وهي فقيرة إليه، وهو خليل كل شيء بهذا المعنى، ويجعلون أسماء الله الحسنى هي مجرد نسبة، وإضافة بين الوجود والثبوت وليست أمورًا عدمية.

ويقولون: من أسمائه الحسنى: العلى، عن ماذا وما ثم إلا هو؟ وعلى ماذا وما ثم غيره؟ فالمسمى محدثات وهي العلىة لذاتها وليست إلا هو، وما نكح سوى نفسه، وما ذبح سوى نفسه، والمتكلم هو عين المستمع.

وأن موسى إنما عتب على هارون حيث نهاهم عن عبادة العجل لضيقه وعدم اتساعه وأن موسى كان أوسع في العلم، فعلم أنهم لم يعبدوا إلا الله، وأن أعلى ما عبد الهوى، وأن كل من اتخذ إلهه هواه فما عبد إلا الله، وفرعون كان عندهم من أعظم العارفين، وقد صدقه السحرة في قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24] ، وفي قوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38] .

وكنت أخاطب بكشف أمرهم لبعض الفضلاء الضالين، وأقول: إن حقيقة أمرهم هو حقيقة قول فرعون، المنكر لوجود الخالق الصانع، حتى حدثني بعض عن كثير من كبرائهم أنهم يعترفون، ويقولون: نحن على قول فرعون.

/ وهذه المعاني كلها هي قول صاحب الفصوص، والله تعالى أعلم بما مات الرجل عليه، والله يغفر لجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10]

والمقصود أن حقيقة ما تضمنه كتاب الفصوص، المضاف إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه جاء به: وهو ما إذا فهمه المسلم علم بالاضطرار أن جميع الأنبياء والمرسلين، وجميع الأولياء والصالحين، بل جميع عوام أهل الملل، من اليهود والنصارى والصابئين: يبرؤون إلى الله تعالى من بعض هذا القول فكيف منه كله؟

ونعلم أن المشركين عباد الأوثان والكفار أهل الكتاب يعترفون بوجود الصانع الخالق البارئ المصور، الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ربهم ورب آبائهم الأولين، رب المشرق والمغرب.

ولا يقول أحد منهم: إنه عين المخلوقات، ولا نفس المصنوعات، كما يقوله هؤلاء، حتى إنهم يقولون: لو زالت السموات والأرض زالت حقيقة الله، وهذا مركب من أصلين:

أحدهما: أن المعدوم شيء ثابت في العدم ـ كما يقوله كثير من المعتزلة والرافضة ـ وهو مذهب باطل بالعقل الموافق للكتاب السنة والإجماع. وكثير من متكلمة أهل الإثبات ـ كالقاضي أبي بكر ـ كفر من يقول بهذا.

/وإنما غلط هؤلاء من حيث لم يفرقوا بين علم الله بالأشياء قبل كونها ـ وأنها مثبتة عنده في أم الكتاب في اللوح المحفوظ ـ وبين ثبوتها في الخارج عن علم الله تعالى. فإن مذهب المسلمين أهل السنة والجماعة: أن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق قبل أن يخلقها، فيفرقون بين الوجود العلمي وبين الوجود العيني الخارجي.

ولهذا كان أول ما نزل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سورة: {اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت