الصفحة 48 من 226

5] فذكر المراتب الأربع: وهي الوجود العيني الذي خلقه، والوجود الرسمي المطابق للفظي الدال على العلمي، وبين أن الله تعالى علمه، ولهذا ذكر التعليم بالقلم، فإنه مستلزم للمراتب الثلاثة.

وهذا القول ـ أعني قول من يقول: إن المعدوم شيء ثابت في نفسه، خارج عن علم الله ـ تعالى ـ وإن كان باطلا ودلالته واضحة لكنه قد ابتدع في الإسلام من نحو أربعمائة سنة، وابن عربي وافق أصحابه، وهو أحد أصلى مذهبه الذي في الفصوص.

والأصل الثاني: أن وجود المحدثات المخلوقات هو عين وجود الخالق، ليس غيره ولا سواه، وهذا هو الذي ابتدعه وانفرد به عن جميع من تقدمه من المشايخ والعلماء، وهو قول بقية الاتحادية، لكن ابن عربي أقربهم إلى الإسلام، وأحسن كلاما في مواضع كثيرة، فإنه يفرق بين الظاهر / والمظاهر، فيقر الأمر والنهي والشرائع على ما هي عليه، ويأمر بالسلوك بكثير مما أمر به المشائخ من الأخلاق والعبادات، ولهذا كثير من العباد يأخذون من كلامه سلوكهم، فينتفعون بذلك وإن كانوا لا يفقهون حقائقه، ومن فهمها منهم ووافقه فقد تبين قوله.

وأما صاحبه ـ الصدر الرومي ـ فإنه كان متفلسفا، فهو أبعد عن الشريعة والإسلام؛ ولهذا كان الفاجر التلمساني ـ الملقب بالعفيف ـ يقول: كان شيخي القديم متروحنًا متفلسفًا، والآخر فيلسوفا متروحنا ـ يعني الصدر الرومي ـ فإنه كان قد أخذ عنه، ولم يدرك ابن عربي في كتاب مفتاح غيب الجمع والوجود، وغيره يقول: إن الله تعالى هو الوجود المطلق والمعين، كما يفرق بين الحيوان المطلق والحيوان المعين، والجسم المطلق والجسم المعين، والمطلق لا يوجد إلا في الخارج مطلقا، لا يوجد المطلق إلا في الأعيان الخارجة.

فحقيقة قوله: إنه ليس لله ـ سبحانه ـ وجود أصلا، ولا حقيقة ولا ثبوت إلا نفس الوجود القائم بالمخلوقات؛ ولهذا يقول هو وشيخه: إن الله تعالى لا يرى أصلا، وأنه ليس له في الحقيقة اسم ولا صفة، ويصرحون بأن ذات الكلب والخنزير، والبول والعذرة، عين وجوده ـ تعالى الله عما يقولون.

وأما الفاجر التلمساني، فهو أخبث القوم وأعمقهم في الكفر، فإنه لا يفرق بين الوجود والثبوت كما يفرق ابن عربي، ولا يفرق بين المطلق والمعين / كما يفرق الرومي، ولكن عنده ما ثم غير ولا سوى بوجه من الوجوه، وإن العبد إنما يشهد السوى ما دام محجوبا، فإذا انكشف حجابه رأى أنه ما ثم غير يبين له الأمر.

ولهذا كان يستحل جميع المحرمات، حتى حكى عنه الثقات أنه كان يقول: البنت والأم والأجنبية شيء واحد، ليس في ذلك حرام علىنا، وإنما هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم.

وكان يقول: القرآن كله شرك ليس فيه توحيد، وإنما التوحيد في كلامنا.

وكان يقول: أنا ما أمسك شريعة واحدة، وإذا أحسن القول يقول: القرآن يوصل إلى الجنة، وكلامنا يوصل إلى الله تعالى، وشرح الأسماء الحسنى على هذا الأصل الذي له.

وله ديوان شعر قد صنع فيه أشياء، وشعره في صناعة الشعر جيد، ولكنه كما قيل: (لَحْمُ خِنْزِير في طَبَق صيني) وصنف للنصيرية عقيدة، وحقيقة أمرهم أن الحق بمنزلة البحر، وأجزاء الموجودات بمنزلة أمواجه.

وأما ابن سبعين، فإنه في البدو والإحاطة يقول أيضا بوحدة الوجود، وأنه ما ثم غير، وكذلك ابن الفارض في آخر نظم السلوك، لكن لم يصرح: هل يقول بمثل قول التلمساني، أو قول الرومي، أو قول ابن عربي؟ وهو إلى كلام التلمساني أقرب، لكن ما رأيت فيهم من كفر هذا الكفر الذي / ما كفره أحد قط مثل التلمساني، وآخر يقال له: البلياني من مشايخ شيراز. ومن شعره:

وفي كل شيء له آية ** تدل على أنه عينه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت