والمشترك بينه وبين غيره لا يعرف بخصوصه أصلا، فلم يعرفوا الله،/ بل لما اعتقدوا فيه القدر المشترك صاروا مشركين به، وحكموا على القدر المشترك بأحكام سلبية، أو إيجابية، فإنها تصح في الجملة؛ لأن ما انتفى عن المعنى العام المشترك انتفى عن الخاص المميز، وليس ما انتفى عن الخاص المميز انتفى عن العام، فما نفيته عن الحيوان أو عن النبي، انتفى عن الإنسان والرسول. وليس ما نفيته عن الإنسان أو الرسول انتفى عن الحيوان أو النبي.
ولهذا كان قوله: (لا نبي بعدي) ينفي الرسول، وكذلك ما ثبت للمعنى المشترك بصفة العموم ثبت للخاص، وما ثبت له بصفة الإطلاق لم يجب أن يثبت للخاص، فإذا ثبت حكم لكل نبي دخل فيه الرسول. وأما إذا ثبت للنبي مطلقًا لم يجب أن يثبت للرسول، وقد تتألف من مجموع القضايا السلبية والإيجابية أمور لا تصدق إلا عليه، ولا يصح أن يوصف بها غيره، كما إذا وصف نبي بمجموع صفات، لا توجد في غيره.
لكن هذا القدر يعرف انتفاء غيره أن يكون إياه، وأما عينه فلا يعرف بمجموع تلك القضايا الكلية، فلا يحصل للعقل من القياس في الرب إلا العلم بالسلب، والعدم، إذا كان القياس صحيحا.
ولهذا جاءت الأمثال المضروبة في القرآن ـ وهي المقاييس العقلية ـ دالة على النفي في مثل قوله: {ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ} الآية [الروم: 28] ، ومثل قوله: {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ} الآيات [النحل: 76] ، وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} الآية [الحج: 73] ، وقوله: {قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونََ} الآية [الإسراء: 42] ، وقوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون: 91] ، وأمثال ذلك من الأمثال ـ وهي القياسات ـ التي مضمونها نفي الملزوم لانتفاء لازمه، أو نحو ذلك.
ولهذا كان الغالب على أهل القياس، من أهل الفلسفة، و الكلام، في جانب الربوبية إنما هي المعارف السلبية. ثم لم يقتصروا على مقدار ما يعلمه العقل من القياس، بل تعدوا ذلك، فنفوا أشياء مشبهة القياس الفاسد، مثل نفي الصفات النبوية، الخبرية، بل ونفى الفلاسفة والمعتزلة للصفات التي يثبتها متكلمو أهل الإثبات، ويسمونها الصفات العقلية؛ لإثباتهم إياها بالقياس العقلي.
ومعلوم أن العقل لا ينفي بالقياس إلا القدر المشترك، الذي هو مدلول القضية الكلية التي لابد منها في القياس، مثل أن ينفي الإرادة أو الرحمة أو العلم المشترك بين مسميات هذا الاسم، والقدر المشترك في المخلوقين تلحقه صفات لا تثبت لله تعالى، فينفون المعنى المشترك المطلق، على صفات الحق وصفات الخلق ـ تبعًا لانتفاء ما يختص به الخلق ـ فيعطلون، كما أن أهل التمثيل يثبتون ما يختص به الخلق ـ تبعًا للقدر المشترك ـ وكلاهما قياس خطأ.
ففي هذه الصفات، بل وفي الذوات ثلاث اعتبارات:
أحدها: ما تختص به ذات الرب وصفاته.
والثاني: ما يختص به المخلوق وصفاته.
/والثالث: المعنى المطلق الجامع.
فاستعمال القياس الجامع في نفي الأول خطأ، وكذلك استعماله في إثبات الثاني. وأما استعماله في إثبات الثالث، فيحتاج إلى إدراك العقل لثبوت المعنى الجامع الكلي، وهذا أصل القياس والدليل، فإن لم يعرف العقل بنفسه - أو بواسطة قياس آخر- ثبوت هذا، وإلا لم يستقم القياس.
وكذلك في معارفهم الثبوتية لا يأتون إلا بمعانٍ مطلقة مجملة. مثل ثبوت الوجود، ووجوب الوجود، أو كونه ربًا أو صانعًا أو أوَّلًا، أو مبدأ أو قديما، ونحو ذلك من المعاني الكلية، التي لا