الصفحة 6 من 226

يعلم بها خصوص الرب تعالى، إذ القياس لا يدل على الخصوص، فإنه إذا استدل بأن كل ممكن فلابد له من موجب وبأن كل محدَث فلابد له من محدِث، كان مدلول هذا القياس أمرًا عامًا، وقد بسطت هذا في غير هذا الموضع.

وكذلك أصحاب الرياضة والتجرد، فإن صفوتهم الذين يشتغلون بذكر بسيط مثل لا إله إلا الله إن لم يغلوا فيقتصروا على مجرد [الله، الله] ويعتقدون أن ذلك أفضل وأكمل، كما فعله كثير منهم، وربما اقتصر بعضهم على [هُوْ، هُوْ] أو على قوله: [لا هو إلا هو] ؛ لأن هذا الذكر المبتدع الذي هو لا يفيد بنفسه إلا أنه مطلقًا، ليس فيه بنفسه ذكر لله إلا بقصد المتكلم.

فقد ينضم إلى ذلك اعتقاد صاحبه أنه لا وجود إلا هو، كما يصرح به بعضهم ويقول: لا هو إلا هو، أو لا موجود إلا هو، وهذا عند الاتحادية/ أجود من قول: [لاإله إلا الله] ؛ لأنه مصرح بحقيقة مذهبهم الفرعوني القرمطي، حتى يقول بعضهم: [لا إله إلا الله] ذكر العابدين، و [الله، الله] ذكر العارفين، و [هو] ذكر المحققين، ويجعل ذكره [يا من لا هو إلا هو] ، وإذا قال: الله، الله إنما يفيد مجرد ثبوته، فقد ينضم إلى ذلك نفي غيره لا نفي إلهية غيره، فيقع صاحبه في وحدة الوجود وربما انتفى شهود القلب للسوي إذا كان في مقام الفناء فهذا قريب، أما اعتقاد أن وجود الكائنات هي هو، فهذا هو الضلال.

ويضمون إلى ذلك نوعا من التصفية، مثل ترك الشهوات البدنية من الطعام والشراب والرياسة والخلوة، وغير ذلك من أنواع الزهادة المطلقة، والعبادة المطلقة، فيصلون أيضا إلى تأله مطلق، ومعرفة مطلقة بثبوت الرب ووجوده ونحو ذلك، من نحو ما يصل إليه أرباب القياس.

ثم قد تتوارى هذه المعرفة والعلم بملابسة الأمور الطبيعية، من الطعام، والاجتماع بالناس، فإن سببها إنما هو ذلك التجرد، فإذا زال زال، ولهذا قيل: كل حال أعطاكه الجوع فإنه يذهب بالشبع، كما قد تتوارى معرفة الأولى المطلقة بغفلة القلب عن تلك المقاييس النظرية، ولا ريب أن القياس يفضي إلى معرفة بحسب مقتضاه، وأن الرياضة والتأله يفضي إلى معرفة بحسب مقتضاه، لكن معرفة مطلقة بسبب قد يثبت وقد يزول، وكثيرًا ما يفضي إلى الاتحاد والحلول والإباحة، وذلك لأنهم يجردون التأله عما لابد منه من صالح البشر، فإذا احتاجوا إليها أعرضوا عن التأله.

فهم إما آلهة عند نفوسهم، وإما زنادقة أو فساق، ولهذا حدثني الشيخ/ الصالح يوسف من أصحابنا أنه رآني في المنام وأنا أخاطبهم

والمعرفة الحاصلة بذلك هي المعرفة التي تصلح حال العبد وتجب عليه، لكن قد يحصل مع صدق الطلب ـ بواسطة القياس، أو بواسطة الوجد ـ وصول إلى الرسالة فيتلقى حينئذ من الرسالة ما يصلح حاله، ويعرفه المعرفة التامة والعلم النافع الواجب عليه ـ وهي الطريق الشرعية النبوية التي ذكرناها أولا ـ وقد لا يحصل ذلك فيقع كثير منهم في الاستغناء عن النبوة، اعتقادا أو حالا بالإعراض عما جاءت به، فيفوته من الإيمان والعلم والمعرفة ـ التي جاء بها الرسول ـ ما يضل بفواته في الدنيا عن الهدى، ويشقى به الشقاء الأكبر، كحال الكافرين بالرسول وإن آمنوا بوجود الرب، من اليهود والنصارى والصابئين، فإن في المسلمين من ينافق في الرسول، كما كفر هؤلاء به ظاهرًا، وهذا النفاق كثير جدًا، قديما وحديثا.

وقد تنعقد في قلبه مقاييس فاسدة، ومواجيد فاسدة، يحكم بمقتضاها في الربوبية أحكامًا فاسدة مثل: أحكام المنحرفة إلى صابئية، أو يهودية أو نصرانية، من الفلاسفة والمتكلمين والمتصوفة، الذين انحرفوا إما إلى تعطيل للصفات وتكذيب بها، وإما إلى تمثيل لها وتشبيه، وإما إلى اعتقاد أن الرب هو الوجود المطلق الذي لا يتميز، وأن عين / الوجود هو عين الخالق، وأنه ليس وراء السموات والأرض شيء آخر، وإنما هذه الأشياء كلها مراتب للصفات، وأن الربوبية والإلهية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت