فهرس الكتاب
ووجد لا يطابق الاعتقاد فأحدهما أو كلاهما باطل، وإنما الأذواق والمواجيد نتائج المعارف والاعتقادات، فإن علم القلب وحاله متلازمان، فعلى قدر العلم والمعرفة يكون الوجد والمحبة والحال.
ولو سلك هؤلاء طريق الأنبياء والمرسلين ـ عليهم السلام ـ الذين أمروا بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ووصفوه بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله ـ واتبعوا طريق السابقين الأولين، لسلكوا طريق الهدى، ووجدوا بَرْد اليقين وقُرَّة العين، فإن الأمر كما قال بعض الناس: إن الرسل / جاؤوا بإثبات مُفَصَّل ونفي مجمل، والصابئة المعطلة جاؤوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، فالقرآن مملوء من قوله تعالى في الإثبات: {إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عليمٌ} [التوبة: 115] و {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فاطر: 1] ، و {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [لقمان: 28] ، {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7] ، وفي النفي {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] ، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] ، {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} [الصافات 180، 181] .
وهذا الكتاب مع أني قد أطلت فيه الكلام على الشيخ ـ أيَّد الله تعالى به الإسلام، ونفع المسلمين ببركة أنفاسه، وحسن مقاصده ونور قلبه ـ فإن ما فيه نكت مختصرة، فلا يمكن شرح هذه الأشياء في كتاب، ولكن ذكرت للشيخ ـ أحسن الله تعالى إليه ـ ما اقتضى الحال أن أذكره ـ وحامل الكتاب مستوفز عجلان، وأنا أسأل الله العظيم أن يصلح أمر المسلمين، عامتهم وخاصتهم، ويهديهم إلى ما يقربهم، وأن يجعل الشيخ من دعاة الخير، الذين قال الله سبحانه فيهم: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: 104] .
فصل
وإذا ثبت هذا، فمن المعلوم أنه يجب الإيمان بخلق الله وأمره، بقضائه وشرعه.
وأهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرق: مجوسية، ومشركية، وإبليسية.
فالمجوسية: الذين كذبوا بقدر الله وإن آمنوا بأمره ونهيه، فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب. ومقتصدوهم أنكروا عموم مشيئته وخلقه وقدرته، وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم.
والفرقة الثانية: المشركية الذين أقروا بالقضاء والقدر، وأنكروا الأمر والنهي، قال تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 148] فمن احتج على تعطيل الأمر والنهي بالقدر فهو من هؤلاء، وهذا قد كثر فيمن يدعى الحقيقة من المتصوفة.
والفرقة الثالثة: وهم الإبليسية الذين أقروا بالأمرين، لكن جعلوا هذا متناقضًا من الرب ـ سبحانه وتعالى ـ وطعنوا في حكمته وعدله، كما يذكر ذلك عن إبليس مقدمهم، كما نقله أهل المقالات، ونقل عن أهل الكتاب.
والمقصود أن هذا مما يقوله أهل الضلال، وأما أهل الهدى والفلاح، فيؤمنون بهذا وهذا، ويؤمنون بأن الله خالق كل شيء، وربه ومليكه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، وأحاط بكل شيء علمًا، وكل شيء أحصاه في إمام مبين.
ويتضمن هذا الأصل من إثبات علم الله، وقدرته ومشيئته، ووحدانيته وربوبيته، وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه، ما هو من أصول الإيمان.
ومع هذا فلا ينكرون ما خلقه الله من الأسباب، التي يخلق بها المسببات، كما قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف: