الصفحة 50 من 226

الربوبية، ويسلط الله تعالى مسيح الهدى ـ الذي قيل فيه: إنه الله تعالى وهو بريء من ذلك ـ على مسيح الضلالة الذي قال: إنه الله.

/ ولهذا كان بعض الناس يعجب من كون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: (إنه أعور) ، وكونه قال: (واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت) . وابن الخطيب أنكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا؛ لأن ظهور دلائل الحدوث والنقص على الدجال، أبين من أن يستدل عليه بأنه أعور.

فلما رأينا حقيقة قول هؤلاء الاتحادية، وتدبرنا ما وقعت فيه النصارى والحلولية، ظهر سبب دلالة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته بهذه العلامة، فإنه بعث رحمة للعالمين، فإذا كان كثير من الخلق يجوز ظهور الرب في البشر، أو يقول: إنه هو البشر، كان الاستدلال على ذلك بالعور دليلا على انتفاء الإلهية عنه.

وقد خاطبني قديما شخص من خيار أصحابنا ـ كان يميل إلى الاتحاد ثم تاب منه ـ وذكر هذا الحديث فبينت له وجهه.

وجاء إلينا شخص كان يقول: إنه خاتم الأولياء، فزعم أن الحلاج لما قال: أنا الحق كان الله تعالى هو المتكلم على لسانه كما يتكلم الجني على لسان المصروع، وأن الصحابة لما سمعوا كلام الله تعالى من النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ كان من هذا الباب، فبينت له فساد هذا، وأنه لو كان كذلك كان الصحابة بمنزلة موسى بن عمران، وكان من خاطبه هؤلاء أعظم من موسى، لأن موسى سمع الكلام الإلهي من الشجرة وهؤلاء يسمعون من الجن الناطق.

/ وهذا يقوله قوم من الاتحادية، لكن أكثرهم جهال لا يفرقون بين الاتحاد العام المطلق الذي يذهب إليه الفاجر التلمساني وذووه، وبين الاتحاد المعين الذي يذهب إليه النصارى والغالية.

وقد كان سلف الأمة، وسادات الأئمة، يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود، كما قال عبد الله بن المبارك والبخاري وغيرهما، وإنما كانوا يلوحون تلويحًا، وقل أن كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان.

وأما هؤلاء الاتحادية فهم أخبث وأكفر من أولئك الجهمية، ولكن السلف والأئمة أعلم بالإسلام وبحقائقه، فإن كثيرًا من الناس قد لا يفهم تغليظهم في ذم المقالة، حتى يتدبرها ويرزق نور الهدى، فلما اطلع السلف على سر القول نفروا منه.

وهذا كما قال بعض الناس: متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئا، ومتعبدة الجهمية يعبدون كل شىء؛ وذلك لأن متكلمهم ليس في قلبه تأله ولا تعبد، فهو يصف ربه بصفات العدم والموات.

وأما المتعبد ففي قلبه تأله وتعبد، والقلب لا يقصد إلا موجودًا لا معدوما فيحتاج أن يعبد المخلوقات، إما الوجود المطلق وإما بعض المظاهر، كالشمس والقمر، والبشر والأوثان وغير ذلك، فإن قول الاتحادية يجمع كل شرك في العالم، وهم لا يوحدون الله ـ سبحانه وتعالى ـ وإنما يوحدون القدر المشترك بينه وبين المخلوقات، فهم بربهم يعدلون.

/ ولهذا حدثني الثقة أن ابن سبعين كان يريد الذهاب إلى الهند، وقال: إن أرض الإسلام لا تسعه؛ لأن الهند مشركون يعبدون كل شيء حتى النبات والحيوان.

وهذا حقيقة قول الاتحادية، وأعرف ناسا لهم اشتغال بالفلسفة والكلام وقد تَألَّهوا على طريق هؤلاء الاتحادية، فإذا أخذوا يصفون الرب ـ سبحانه ـ بالكلام قالوا: ليس بكذا، ليس بكذا، ووصفوه بأنه ليس هو رب المخلوقات كما يقوله المسلمون، لكن يجحدون صفات الخالق التي جاءت بها الرسل ـ عليهم السلام.

وإذا صار لأحدهم ذوق ووجد، تأله وسلك طريق الاتحادية، وقال: إنه هو الموجودات كلها، فإذا قيل له: أين ذلك النفي من هذا الإثبات؟ قال: ذلك وجدي، وهذا ذوقي. فيقال لهذا الضال: كل ذوق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت