فهرس الكتاب
عليه من سيئات غيره ولا يهضم من حسناته، وقال تعالى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: 29] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ـ في حديث البطاقة الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما ـ: (يجاء برجل من أمتي يوم القيامة، فتنشر له تسعة وتسعون سِجِلًا كل سجل مد البصر، فيقال له: هل تنكر من هذا شيئًا؟ فيقول: لا يارب، فيقال له: ألك عذر؟ ألك حسنة؟ فيقول: لا يارب، فيقول: بلي/ إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم) قال: (فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة) . فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يظلم، بل يثاب على ما أتي به من التوحيد، كما قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه} [الزلزلة: 7، 8] .
وجمهور هؤلاء الذين يسمون أنفسهم [عدلية] يقولون: من فعل كبيرة واحدة أحبطت جميع حسناته، وخلد في نار جهنم، فهذا الذي سماه الله ورسوله ظلمًا يصفون الله به مع دعواهم تنزيهه عن الظلم، ويسمون تخصيصه من يشاء برحمته وفضله وخلقه ما خلقه لما له فيه من الحكمة البالغة ظلما، والكلام في هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع، ولكن نبهنا على مجامع أصول الناس في هذا المقام.
وهؤلاء المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة يوجبون على الله ـ سبحانه ـ أن يفعل بكل عبد ما هو الأصلح له في دينه، وتنازعوا في وجوب الأصلح في دنياه، ومذهبهم: أنه لا يقدر أن يفعل مع مخلوق من المصلحة الدينية غير ما فعل، ولا يقدر أن يهدي ضالًا ولا يضل مهتديًا.
وأما سائر الطوائف الذين يقولون بالتعليل من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وأهل الكلام، كالكرامية وغيرهم والمتفلسفة ـ أيضًا ـ فلا يوافقونهم على/هذا، بل يقولون: إنه يفعل ما يفعل ـ سبحانه ـ لحكمة يعلمها ـ سبحانه وتعالى ـ وقد يعلم العباد أو بعض العباد من حكمته ما يطلعهم عليه وقد لا يعلمون ذلك، والأمور العامة التي يفعلها تكون لحكمة عامة ورحمة عامة، كإرسال محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، فإن إرساله كان من أعظم النعمة على الخلق، وفيه أعظم حكمة
للخالق ورحمة منه لعباده كما قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164] ، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 53] ، وقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] ، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا} [إبراهيم: 28] قالوا: هو محمد صلى الله عليه وسلم.
فإذا قال قائل: فقد تضرر برسالته طائفة من الناس، كالذين كذبوه من المشركين وأهل الكتاب، كان عن هذا جوابان:
أحدهما: أنه نفعهم بحسب الإمكان، فإنه أضعف شرهم الذي كانوا يفعلونه لولا الرسالة بإظهار الحجج والآيات التي زلزلت ما في قلوبهم، وبالجهاد والجزية التي أخافتهم وأذلتهم حتى قل شرهم، ومن قتله منهم مات قبل أن يطول عمره في الكفر فيعظم كفره، فكان ذلك تقليلًا لشره، والرسل ـ صلوات الله عليهم ـ/بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان.
والجواب الثاني: أن ما حصل من الضرر أمر مغمور في جنب ما حصل من النفع، كالمطر الذي عم نفعه إذا خرب به بعض البيوت، أو احتبس به بعض المسافرين والمكتسبين كالقَصَّارين