الصفحة 64 من 226

ونحوهم، وما كان نفعه ومصلحته عامة، كان خيرًا مقصودًا ورحمة محبوبة وإن تضرر به بعض الناس، وهذا الجواب أجاب به طوائف من المسلمين وأهل الكلام والفقه وغيرهم من الحنفية والحنبلية وغيرهم ومن الكرامية والصوفية، وهو جواب كثير من المتفلسفة.

وقال هؤلاء: جميع ما يحدثه في الوجود من الضرر، فلابد فيه من حكمة، قال الله تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88] ، وقال: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة: 7] ، و الضرر الذي يحصل به حكمة مطلوبة لا يكون شرًا مطلقًا، وإن كان شرًا بالنسبة إلى من تضرر به؛ ولهذا لا يجىء في كلام الله ـ تعالي ـ وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم إضافة الشر وحده إلى الله؛ بل لا يذكر الشر إلا علي أحد وجوه ثلاثة: إما أن يدخل في عموم المخلوقات، فإنه إذا دخل في العموم؛ أفاد عموم القدرة والمشيئة والخلق، وتضمن ما اشتمل عليه من حكمة تتعلق بالعموم، وإما أن يضاف إلى السبب الفاعل، وإما أن يحذف فاعله.

فالأول، كقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] ونحو ذلك، ومن هذا الباب: أسماء الله المقترنة كالمعطي المانع، والضار النافع، المعز المذل، الخافض الرافع، / فلا يفرد الاسم المانع عن قرينه، ولا الضار عن قرينه؛ لأن اقترانهما يدل على العموم، وكل ما في الوجود من رحمة ونفع ومصلحة فهو من فضله ـ تعالى ـ وما في الوجود من غير ذلك، فهو من عدله، فكل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يمين الله ملأى لا يُغِيضُها نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه، وبيده الأخرى القِسْط يخفض ويرفع) ، فأخبر أن يده اليمنى فيها الإحسان إلى الخلق، ويده الأخرى فيها العدل والميزان الذي به يخفض ويرفع، فخفضه ورفعه من عدله، وإحسانه إلى خلقه من فضله.

وأما حذف الفاعل، فمثل قول الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن: 10] ، وقوله تعالى في سورة الفاتحة: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] ونحو ذلك.

وإضافته إلى السبب، كقوله: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق: 2] ، وقوله: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [الكهف: 79] ، مع قوله: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا} [الكهف: 82] ، وقوله تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79] ، وقوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} [الأعراف: 23] ، وقوله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165] وأمثال ذلك.

/ولهذا ليس من أسماء الله الحسنى اسم يتضمن الشر، و إنما يذكر الشر في مفعولاته، كقوله: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49، 50] ، وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأعراف: 167] ، وقوله: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 98] ، وقوله: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ. إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ. وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} [البروج: 12 - 14] ، فبين ـ سبحانه ـ أن بطشه شديد، وأنه هو الغفور الودود.

واسم [المنتقم] ليس من أسماء الله الحسنى الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما جاء في القرآن مقيدًا كقوله تعالى: {إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} [السجدة: 22] ، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ} [إبراهيم: 47] ، والحديث الذي في عدد الأسماء الحسنى الذي يذكر فيه المنتقم فذكر في سياقه: (البر التواب المنتقم العفو الرؤوف) ليس هو عند أهل المعرفة بالحديث من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بل هذا ذكره الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز أو عن بعض شيوخه؛ ولهذا لم يروه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت