الصفحة 65 من 226

أحد من أهل الكتب المشهورة إلا الترمذي، رواه عن طريق الوليد بن مسلم بسياق، ورواه غيره باختلاف في الأسماء، وفي ترتيبها يبين أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وسائر من روي هذا الحديث أنه عن أبي هريرة، ثم عن الأعرج، ثم عن أبي الزناد، لم يذكروا أعيان الأسماء؛ بل ذكروا قوله صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة) . وهكذا أخرجه أهل الصحيح كالبخاري ومسلم وغيرهم، ولكن روى عدد الأسماء من/ طريق أخرى من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة، ورواه ابن ماجة، وإسناده ضعيف، يعلم أهل الحديث أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وليس في عدد الأسماء الحسنى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذان الحديثان كلاهما مروي من طريق أبي هريرة، وهذا مبسوط في موضعه.

والمقصود هنا التنبيه على أصول تنفع في معرفة هذه المسألة، فإن نفوس بني آدم لا يزال يحوك فيها من هذه المسألة أمر عظيم.

وإذا علم العبد ـ من حيث الجملة ـ: أن لله فيما خلقه وما أمر به حكمة عظيمة كفاه هذا، ثم كلما ازداد علمًا وإيمانًا ظهر له من حكمة الله ورحمته ما يبهر عقله، ويبين له تصديق ما أخبر الله به في كتابه، حيث قال: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53] ، فإنه صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: (لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها) (4) ، وفي الصحيحين عنه أنه قال: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة، فبها يتراحم الخلق، حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها من تلك الرحمة، واحتبس عنده تسعًا وتسعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة جمع هذه إلى تلك فرحم بها عباده) ، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم هؤلاء الجمهور من المسلمين وغيرهم كأئمة المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والعلماء الذين يثبتون حكمته فلا ينفونها، كما نفاها الأشعرية ونحوهم/ الذين لم يثبتوا إلا إرادة بلا حكمة، ومشيئة بلا رحمة ولا محبة ولا رضى. وجعلوا جميع المخلوقات بالنسبة إليه سواء، لا يفرقون بالإرادة والمحبة والرضى، بل ما وقع من الكفر والفسوق والعصيان قالوا: إنه يحبه ويرضاه كما يريده، وإذا قالوا: لا يحبه ولا يرضاه دينا قالوا: إنه لا يريده دينًا وما لم يقع من الإيمان والتقوى فإنه لا يحبه ولا يرضاه عندهم كما لا يريده. وقد قال تعالى: {إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ} [النساء: 108] فأخبر أنه لا يرضاه، مع أنه قدره وقضاه ـ لا يوافقون المعتزلة على إنكار قدرة الله ـ تعالى ـ وعموم خلقه ومشيئته وقدرته، ولا يشبهونه بخلقه فيما يوجب ويحرم، كما فعل هؤلاء، ولا يسلبونه ما وصف به نفسه من صفاته وأفعاله، بل أثبتوا له ما أثبته لنفسه من الصفات والأفعال، ونزهوه عما نزه عنه نفسه من الصفات والأفعال، وقالوا: إن الله خالق كل شيء ومليكه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير. وهو يحب المحسنين والمتقين والمقسطين، ويرضى عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ولا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر ولا يرضى بالقول المخالف لأمر الله ورسوله.

وقالوا: مع أنه خالق كل شيء وربه ومليكه فقد فرق بين المخلوقات، أعيانها وأفعالها، كما قال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} [القلم: 35] وكما قال: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21] وقال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] . وقال تعالى: / {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ. وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ. وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ. وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} [فاطر: 19 - 22] وأمثال ذلك مما يبين الفرق بين المخلوقات. وانقسام الخلق إلى شقي وسعيد، كما قال تعالى: هُوَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت