الصفحة 66 من 226

الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: 2] وقال تعالى: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَةُ} [الأعراف: 30] وقال تعالى: {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الإنسان: 31] وقال تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} [الروم: 14 - 16] ونظائر هذا في القرآن كثيرة.

وينبغي أن يعلم أن هذا المقام زل فيه طوائف من أهل الكلام والتصوف، وصاروا فيه إلى ما هو شر من قول المعتزلة ونحوهم من القدرية فإن هؤلاء يعظمون الأمر والنهي والوعد والوعيد وطاعة الله ورسوله، ويأمر بالمعروف وينهون عن المنكر، لكن ضلوا في القدر، واعتقدوا أنهم إذا أثبتوا مشيئة عامة وقدرة شاملة وخلقًا متناولا لكل شيء لزم من ذلك القدح في عدل الرب وحكمته، وغلطوا في ذلك.

فقابل هؤلاء قوم من العلماء والعباد وأهل الكلام والتصوف، فأثبتوا القدر وآمنوا بأن الله رب كل شيء ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه، وهذا حسن وصواب، لكنهم قصروا في الأمر والنهي والوعد والوعيد، وأفرطوا حتى خرج غلاتهم إلى الإلحاد، فصاروا من جنس المشركين الذين قالوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 148] . فأولئك القدرية وإن كانوا يشبهون المجوس من حيث إنهم أثبتوا فاعلا لما اعتقدوه شرًا غير الله ـ سبحانه ـ فهؤلاء شابهوا المشركين الذين قالوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} ، فالمشركون شر من المجوس، فإن المجوس يقرون بالجزية باتفاق المسلمين، وقد ذهب بعض العلماء إلى حل نسائهم وطعامهم، وأما المشركون فاتفقت الأمة على تحريم نكاح نسائهم وطعامهم، ومذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه وغيرهما أنهم لا يقرون بالجزية، وجمهور العلماء على أن مشركي العرب لا يقرون الجزية وإن أقرت المجوس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل الجزية من أحد من المشركين؛ بل قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنى رسول لله، فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل) .

والمقصود هنا أن من أثبت القدر واحتج به على إبطال الأمر والنهي فهو شر ممن أثبت الأمر والنهي ولم يثبت القدر، وهذا متفق عليه بين المسلمين وغيرهم من أهل الملل بل بين جميع الخلق، فإن من احتج بالقدر وشهود الربوبية العامة لجميع المخلوقات، ولم يفرق بين المأمور والمحظور، والمؤمنين والكفار، وأهل الطاعة وأهل المعصية، لم يؤمن بأحد من الرسل ولا بشيء من الكتب، وكان عنده آدم وإبليس سواء، ونوح وقومه سواء، وموسى وفرعون سواء، والسابقون الأولون وكفار مكة سواء.

وهذا الضلال قد كثر في كثير من أهل التصوف والزهد والعبادة، لا سيما/إذا قرنوا به توحيد أهل الكلام المثبتين للقدر والمشيئة من غير إثبات المحبة و البغض والرضى والسخط، الذين يقولون: التوحيد هو توحيد الربوبية، و الإلهية عندهم هي القدرة على الاختراع، ولا يعرفون توحيد الإلهية، ولا يعلمون أن الإله هو المألوه المعبود. وأن مجرد الإقرار بأن الله رب كل شيء لا يكون توحيدًا حتى يشهد أن لا إله إلا الله، كما قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106] ، قال عكرمة: تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون: الله، وهم يعبدون غيره، وهؤلاء يدعون التحقيق والفناء في التوحيد، ويقولون: إن هذا نهاية المعرفة، وإن العارف إذا صار في هذا المقام لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة لشهوده الربوبية العامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت