فهرس الكتاب
وفي آخر الحديث الصحيح الإلهي ـ حديث أبي ذر ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: (ياعبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم/ ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) وفي الحديث الصحيح ـ سيد الاستغفار ـ أن يقول العبد: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت. أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي. فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها إذا أصبح موقنًا بها فمات من يومه ذلك دخل الجنة، ومن قالها إذا أمسى موقنًا بها فمات من ليلته دخل الجنة) .
ثم قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ} [النساء: 79] من ذل وخوف وهزيمة كما أصابهم يوم أحد: {فَمِنْ نَفْسِكَ} أي: بذنوبك وخطاياك، وإن كان ذلك مكتوبًا مقدرًا عليك، فإن القدر ليس حجة لأحد، لا على الله ولا على خلقه، ولو جاز لأحد أن يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات لم يعاقب ظالم، ولم يقاتل مشرك، ولم يقم حد، ولم يكف أحد عن ظلم أحد. وهذا من الفساد في الدين والدنيا المعلوم ضرورة فساده للعالم بصريح المعقول. المطابق لما جاء به الرسول.
فالقدر يؤمن به ولا يحتج به، فمن لم يؤمن بالقدر ضارع المجوس، ومن احتج به ضارع المشركين، ومن أقر بالأمر والقدر وطعن في عدل الله وحكمته كان شبيهًا بإبليس، فإن الله ذكر عنه: أنه طعن في حكمته وعارضه برأيه وهواه، وأنه قال: {بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ} [الحجر: 39] .
وقد ذكر طائفة من أهل الكتاب وبعض المصنفين في المقالات كالشهرستاني/ أنه ناظر الملائكة في ذلك معارضًا لله تعالى في خلقه وأمره، لكن هذه المناظرة بين إبليس والملائكة التي ذكرها الشهرستاني في أول المقالات، ونقلها عن بعض أهل الكتاب ليس لها إسناد يعتمد عليه، ولو وجدناها في كتب أهل الكتاب لم يجز أن نصدقها لمجرد ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيح أنه قال: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبونه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقونه) .
ويشبه ـ والله أعلم ـ أن تكون تلك المناظرة من وضع بعض المكذبين بالقدر إما من أهل الكتاب وإما من المسلمين، والشهرستاني نقلها من كتب المقالات، والمصنفون في المقالات ينقلون كثيرًا من المقالات من كتب المعتزلة كما نقل الأشعري وغيره ما نقله في المقالات من كتب المعتزلة، فإنهم من أكثر الطوائف وأولها تصنيفًا في هذا الباب؛ ولهذا توجد المقالات منقولة بعباراتهم فوضعوا هذه المناظرة على لسان إبليس، كما رأينا كثيرًا منهم يضع كتابًا أو قصيدة على لسان بعض اليهود أو غيرهم، ومقصودهم بذلك الرد على المثبتين للقدر، يقولون: إن حجة الله على خلقه لا تتم إلا بالتكذيب بالقدر، كما وضعوا في مثالب ابن كلاب أنه كان نصرانيًا؛ لأنه أثبت الصفات، وعندهم من أثبت الصفات فقد أشبه النصارى وتتلقى أمثال هذه الحكايات بالقبول من المنتسبين إلى السنة ممن لم يعرف حقيقة أمرها.
والمقصود هنا، أن الآية الكريمة حجة على هؤلاء. وهؤلاء حجة على من يحتج بالقدر، فإن الله تعالى أخبر أنه عذبهم بذنوبهم، فلو كانت حجتهم مقبولة/ لم يعذبهم بذنوبهم، وحجة على من كذب بالقدر، فإنه ـ سبحانه ـ أخبر أن الحسنة من الله، وأن السيئة من نفس العبد، والقدرية متفقون على أن العبد هو المحدث للمعصية كما هو المحدث للطاعة، والله عندهم ما أحدث لا هذا ولا هذا، بل أمر بهذا ونهى عن هذا.
وليس عندهم لله نعمة أنعمها على عباده المؤمنين في الدين إلا وقد أنعم بمثلها على الكفار، فعندهم أن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وأبا لهب مستويان في نعمة الله الدينية؛ إذ كل