الصفحة 73 من 226

منهما أرسل إليه الرسول، وأقدر على الفعل، وأزيحت علته، لكن هذا فعل الإيمان بنفسه من غير أن يخصه بنعمة آمن بها، وهذا فعل الكفر بنفسه من غير أن يفضل الله عليه ذلك المؤمن ولا خصه بنعمة آمن لأجلها، وعندهم أن الله حبب الإيمان إلى الكفار كأبي لهب وأمثاله، كما حببه إلى المؤمنين كعلي ـ رضي الله عنه ـ وأمثاله، وزينه في قلوب الطائفتين، وكرَّه الكفر والفسوق والعصيان إلى الطائفتين سواء، لكن هؤلاء كرهوا ما كرهه الله إليهم بغير نعمة خصهم بها، وهؤلاء لم يكرهوا ما كرهه الله إليهم.

ومن توهم عنهم أو من نقل عنهم أن الطاعة من الله والمعصية من العبد، فهو جاهل بمذهبهم، فإن هذا لم يقله أحد من علماء القدرية ولا يمكن أن يقوله، فإن أصل قولهم: إن فعل العبد للطاعة كفعله للمعصية، كلاهما فعله بقدرة تحصل له من غير أن يخصه الله بإرادة خلقها فيه، ولا قوة جعلها فيه تختص بأحدهما، فإذا احتجوا بهذه الآية على مذهبهم كانوا جاهلين بمذهبهم وكانت الآية حجة عليهم/ لا لهم؛ لأنه تعالى قال: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78] ، وعندهم ليس الحسنات المفعولة ولا السيئات المفعولة من عند الله بل كلاهما من العبد، وقوله تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79] ، مخالف لقولهم؛ فإن عندهم الحسنة المفعولة والسيئة المفعولة من العبد لا من الله ـ سبحانه.

وكذلك من احتج من مثبتة القدر بالآية على إثباته إذا احتج بقوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78] كان مخطئًا، فإن الله ذكر هذه الآية ردًا على من يقول: الحسنة من الله والسيئة من العبد، ولم يقل أحد من طوائف الناس: إن الحسنة المفعولة من الله، والسيئة المفعولة من العبد.

وأيضًا، فإن نفس فعل العبد وإن قال أهل الإثبات: إن الله خلقه، وهو مخلوق له ومفعول له؛ فإنهم لا ينكرون أن العبد هو المتحرك بالأفعال، وبه قامت، ومنه نشأت، وإن كان الله خلقها.

وأيضًا، فإن قوله بعد هذا: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79] يمتنع أن يفسر بالطاعة والمعصية، فإن أهل الإثبات لا يقولون: إن الله خالق إحداهما دون الأخرى، بل يقولون: إن الله خالق لجميع الأفعال وكل الحوادث.

ومما ينبغي أن يعلم: أن مذهب سلف الأمة ـ مع قولهم: الله خالق كل/ شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير وأنه هو الذي خلق العبد هلوعًا. إذا مسه الشر جزوعًا. وإذا مسه الخير منوعًا ونحو ذلك ـ إن العبد فاعل حقيقة وله مشيئة وقدرة. قال تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 28، 29] وقال تعالى: {هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 29، 30] وقال تعالى: {كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ. فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ. وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [المدثر: 54 - 56] .

وهذا الموضع اضطرب فيه الخائضون في القدر. فقالت المعتزلة ونحوهم من النفاة: الكفر والفسوق والعصيان أفعال قبيحة. والله منزه عن فعل القبيح باتفاق المسلمين فلا تكون فعلا له.

وقال من رد عليهم من المائلين إلى الجبر: بل هي فعله وليست أفعالا للعباد، بل هي كسب للعبد. وقالوا: إن قدرة العبد لا تأثير لها في حدوث مقدورها ولا في صفة من صفاتها. وأن الله أجرى العادة بخلق مقدورها مقارنًا لها. فيكون الفعل خلقًا من الله إبداعًا وإحداثًا، وكسبًا من العبد لوقوعه مقارنًا لقدرته، وقالوا: إن العبد ليس محدثًا لأفعاله ولا موجدًا لها. ومع هذا فقد يقولون: إنا لا نقول بالجبر المحض، بل نثبت للعبد قدرة حادثة والجبري المحض الذي لا يثبت للعبد قدرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت