الصفحة 74 من 226

/وأخذوا يفرقون بين الكسب الذي أثبتوه وبين الخلق، فقالوا: الكسب عبارة عن اقتران المقدور بالقدرة الحادثة، والخلق هو المقدور بالقدرة القديمة. وقالوا ـ أيضًا ـ: الكسب هو الفعل القائم بمحل القدرة عليه، والخلق هو الفعل الخارج عن محل القدرة عليه.

فقال لهم الناس: هذا لا يوجب فرقًا بين كون العبد كسب وبين كونه فعل وأوجد وأحدث وصنع وعمل ونحو ذلك؛ فإن فعله وإحداثه وعمله وصنعه هو أيضًا مقدور بالقدرة الحادثة، وهو قائم في محل القدرة الحادثة.

وأيضًا، فهذا فرق لا حقيقة له، فإن كون المقدور في محل القدرة أو خارجًا عن محلها لا يعود إلى نفس تأثير القدرة فيه، وهو مبني على أصلين: أن الله لا يقدر على فعل يقوم بنفسه، وأن خلقه للعالم هو نفس العالم، وأكثر العقلاء من المسلمين وغيرهم على خلاف ذلك.

والثاني: أن قدرة العبد لا يكون مقدورها إلا في محل وجودها ولا يكون شيء من مقدورها خارجًا عن محلها. وفي ذلك نزاع طويل ليس هذا موضعه.

وأيضا، فإذا فسر التأثير بمجرد الاقتران فلا فرق بين أن يكون الفارق في المحل أو خارجًا عن المحل.

وأيضًا، قال لهم المنازعون: من المستقر في فطر الناس أن من فعل/ العدل فهو عادل، ومن فعل الظلم فهو ظالم، ومن فعل الكذب فهو كاذب، فإذا لم يكن العبد فاعلا لكذبه وظلمه وعدله، بل الله فاعل ذلك؛ لزم أن يكون هو المتصف بالكذب والظلم، قالوا: وهذا كما قلتم أنتم وسائر الصفاتية، من المستقر في فطر الناس أن من قام به العلم فهو عالم، ومن قامت به القدرة فهو قادر، ومن قامت به الحركة فهو متحرك، ومن قام به التكلم فهو متكلم، ومن قامت به الإرادة فهو مريد، وقلتم: إذا كان الكلام مخلوقًا، كان كلامًا للمحل الذي خلقه فيه كسائر الصفات، فهذه القاعدة المطردة فيمن قامت به الصفات نظيرها ـ أيضًا ـ من فعل الأفعال.

وقالوا ـ أيضًا ـ: القرآن مملوء بذكر إضافة هذه الأفعال إلى العباد كقوله تعالي: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17، والواقعة: 24] ، وقوله: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] ، وقوله: {وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَي اللَّهُ عَمَلَكُمْ} [التوبة: 105] ، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 277، يونس: 9، هود: 32] وأمثال ذلك.

وقالوا ـ أيضًا ـ: إن الشرع والعقل متفقان على أن العبد يحمد ويذم على فعله، ويكون حسنة له أو سيئة، فلو لم يكن إلا فعل غيره، لكان ذلك الغير هو المحمود المذموم عليها.

وفي المسألة كلام ليس هذا موضع بسطه، لكن ننبه على نكت نافعة في هذا الموضع المشكل، فنقول:

/قول القائل: هذا فعل هذا، وفعل هذا، لفظ فيه إجمال، فإنه تارة يراد بالفعل نفس الفعل، و تارة يراد به مسمي المصدر، فيقول: فعلت هذا أفعله فعلًا، وعملت هذا أعمله عملًا، فإذا أريد بالعمل نفس الفعل الذي هو مسمي المصدر كصلاة الإنسان وصيامه ونحو ذلك، فالعمل هنا هو المعمول، وقد اتحد هنا مسمي المصدر والفعل، وإذا أريد بذلك ما يحصل بعمله كنساجة الثوب وبناء الدار ونحو ذلك، فالعمل هنا غير المعمول، قال تعالي: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ: 13] ، فجعل هذه المصنوعات معمولة للجن، ومن هذا الباب قوله تعالي: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] ، فإنه في أصح القولين (ما) بمعني الذي، والمراد به: ما تنحتونه من الأصنام، كما قال تعالي: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 95، 96] أي: والله خلقكم وخلق الأصنام التي تنحتونها، ومنه حديث حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله خالق كل صانع وصنعته) ، لكن قد يستدل بالآية على أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت