الصفحة 75 من 226

الله خلق أفعال العباد من وجه آخر، فيقال: إذا كان خالقًا لما يعملونه من المنحوتات، لزم أن يكون هو الخالق للتأليف الذي أحدثوه فيها، فإنها إنما صارت أوثانًا بذلك التأليف، وإلا فهي بدون ذلك ليست معمولة لهم، وإذا كان خالقًا للتأليف، كان خالقًا لأفعالهم.

والمقصود أن لفظ [الفعل] و [العمل] و [الصنع] أنواع، وذلك كلفظ البناء والخياطة والنجارة تقع على نفس مسمي/ المصدر، وعلي المفعول، وكذلك لفظ: [التلاوة] و [القراءة] و [الكلام] و [القول] يقع على نفس مسمي المصدر وعلي ما يحصل بذلك من نفس القول والكلام، فيراد بالتلاوة والقراءة نفس القرآن المقروء المتلو، كما يراد بها مسمي المصدر.

والمقصود هنا أن القائل إذا قال: هذه التصرفات فعل الله أو فعل العبد؛ فإن أراد بذلك أنها فعل الله بمعني المصدر فهذا باطل باتفاق المسلمين وبصريح العقل، ولكن من قال هي فعل الله وأراد به أنها مفعولة مخلوقة لله كسائر المخلوقات فهذا حق.

ثم من هؤلاء من قال: إنه ليس لله فعل يقوم به، فلا فرق عنده بين فعله ومفعوله وخلقه ومخلوقه.

وأما الجمهور الذين يفرقون بين هذا وهذا فيقولون: هذه مخلوقة لله مفعولة لله ليست هي نفس فعله، وأما العبد فهي فعله القائم به، وهي أيضًا مفعولة له إذا أريد بالفعل المفعول، فمن لم يفرق في حق الرب تعالي بين الفعل والمفعول إذا قال: إنها فعل الله تعالي وليس لمسمي فعل الله عنده معنيان، وحينئذ فلا تكون فعلًا للعبد ولا مفعولة له بطريق الأولي، وبعض هؤلاء قال: هي فعل للرب وللعبد فأثبت مفعولًا بين فاعلين.

قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية ـ رحمه الله تعالى:

في الفروق التي يتبين بها كون الحسنة من الله والسيئة من النفس، وقوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] ، و قوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} إلى قوله: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] ، فإنه ينفي التحريم عن غيرها، ويثبته لها، لكن هل أثبتها للجنس أو لكل واحد من العلماء كما يقال: إنما يحج المسلمون، وذلك أن المستثنى هل هو مقتضى، أو شرط؟

ففي الآية وأمثالها هو مقتضى فهو عام؛ فإن العلم بما أنذرت به الرسل يوجب الخوف، فإذا كان العلم يوجب الخشية الحاملة على فعل الحسنات وترك السيئات، وكل عاص فهو جاهل ليس بتام العلم، تبين ما ذكرنا من أن أصل السيئات الجهل وعدم العلم.

وإذا كان كذلك فعدم العلم ليس شيئًا موجودًا، بل هو مثل عدم القدرة وعدم السمع وعدم البصر، والعدم ليس شيئًا، وإنما الشىء الموجود ـ والله خالق كل شىء ـ فلا يضاف العدم المحض إلى الله تعالى، لكن قد /يقترن به موجود، فإذا لم يكن عالمًا، والنفس بطبعها تحركه فإنها حية، والحركة الإرادية من لوازم الحياة، ولهذا أصدق الأسماء: الحارث والهمام، وفي الحديث: (مثل القلب مثل ريشة ملقاة) إلخ، وفيه: (القلب أشد تقلبًا من القدر إذا استجمعت غليانًا) ، فإذا كان كذلك، فإن هداها الله علمها ما ينفعها وما يضرها، فأرادت ما ينفعها وتركت ما يضرها، والله سبحانه تفضل على بني آدم بأمرين؛ هما أصل السعادة:

أحدهما: أن كل مولود يولد على الفطرة، كما في الصحيحين، ولمسلم عن عياض ابن حمار مرفوعًا: (إني خلقت عبادي حنفاء) الحديث، فالنفس بفطرتها إذا تركت كانت محبة لله تعبده لا تشرك به شيئًا، ولكن يفسدها من يزين لها من شياطين الإنس والجن، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية [الأعراف: 172] ، وتفسير هذه الآية مبسوط في غير هذا الموضع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت