لقد ظهر في بلاد فارس الفكر الصوفي منذ زمن بعيد حيث سادت عندهم فكرة صدور كل شيء عن الله ورجوعه إليه وأن الموجود بحق هو الله.
وظهر الزهد والرهبنة في الديانة المانوية، والنهي عن ذبح الحيوان في الديانة المزدكية وكذلك ساعد دخول عدد كبير من الفرس في الدين الإسلامي على نقل تلك الأفكار بقصد حسن أو سيء وإن كثيرًا من مشاهير الصوفية كانوا من أصول فارسية أمثال إبراهيم ابن أدهم ومعروف الكرخي، وشقيق البلخي، وحاتم الأصم، وسهل التستري، وأبو يزيد البسطامي والحلاج والسهروردي (110) .
ولقد كان الفرس قبل الإسلام يدينون بالزرادشتية (الماجوسية) المبنية على وحدة الوجود، منحدرة من اتحاد أو حلول بين انبثاقات صادرة عن الهين اثنين (النور والظلمة) وكان مذهب الأكثرية المجوسية يرجع المبدأين (النور والظلمة) إلى كائن أعلى واحد منه انبثق الوجود، ثم جاءت المانوية متفقة مع الزردشتية في أصل العقيدة (111) .
4-موقف العلماء من التصوف
أ - طائفة من الناس نظرت إلى مساوئ القوم وأغمضت العيون عن محاسنها فقالوا بضلال الصوفية وردوا كلامهم سواءً ما وافق الكتاب والسنة أو خالفهما وهذه الطائفة كما يقول ابن القيم (حجبت عن محاسن هذه الطائفة ولطف نفوسهم وصدق معاملتهم فأهدروها لأجل هذه الشطحات وأنكروها غاية الإنكار وأساءوا الظن بهم) (112) .
ب - وطائفة أخرى نظرت إلى محاسن القوم وصدق معاملتهم وشفافية نفوسهم وحسن عبادتهم فأقبلت على علوم الصوفية وكتبهم وقصائدهم وقصصهم دون تمحيص مغمضة العيون عن عيوب القوم ومساوئهم، وهؤلاء كما يقول ابن القيم (حجبوا بما رأوه من محاسن القوم وصفاء قلوبهم وصحة عزائمهم وحسن معاملتهم عن رؤية شطحاتهم ) .