الصفحة 12 من 120

شَدِيدًا وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [الأحزاب: 9 - 12] . وقال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} الآيتين [المدثر: 31، 32] .

وأما كيف يحصل اليقين؟ فبثلاثة أشياء:

أحدها: تدبر القرآن.

والثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفاق، التي تبين أنه حق.

والثالث: العمل بموجب العلم، قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] ، والضمير عائد على القرآن، كما قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} الآية [فصلت: 52، 53] .

وأما قول طائفة من المتفلسفة ـ ومن تبعهم من المتكلمة والمتصوفة ـ: أن الضمير عائد إلى الله، وأن المراد ذكر طريق من عرفه بالاستدلال بالعقل، فتفسير الآية بذلك خطأ من وجوه كثيرة، وهو مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها.

فبين ـ سبحانه ـ أنه يرى الآيات المشهودة ليبين صدق الآيات المسموعة، مع أن شهادته بالآيات المسموعة كافية؛ لأنه ـ سبحانه ـ لم يدل عباده بالقرآن بمجرد الخبر، كما يظنه طوائف من أهل الكلام، يظنون أن دلالة القرآن إنما هو بطريق الخبر، والخبر موقوف على العلم بصدق المخبر الذي هو الرسول، والعلم بصدقه موقوف على إثبات الصانع، والعلم بما يجب ويجوز ويمتنع عليه، والعلم بجواز بعثة الرسل، والعلم بالآيات الدالة على صدقهم، ويسمون هذه الأصول العقليات؛ لأن السمع عندهم موقوف عليها، وهذا غلط عظيم، وهو من أعظم ضلال طوائف من أهل الكلام والبدع.

فإن الله ـ سبحانه ـ بين في كتابه كل ما يحتاج إليه في أصول الدين، قرر فيه التوحيد، والنبوة، والمعاد بالبراهين التي لا ينتهي إلى تحقيقها نظر، خلاف المتكلمين من المسلمين والفلاسفة وأتباعهم، واحتج فيه بالأمثال الصمدية، التي هي المقاييس العقلية المفيدة لليقين، وقد بسطنا الكلام في غير هذا الموضع.

وأما الآيات المشهودة، فإن ما يشهد، وما يعلم بالتواتر من عقوبات مكذبي الرسل ومن عصاهم، ومن نصر الرسل وأتباعهم على الوجه الذي وقع، وما علم من إكرام الله تعالى لأهل طاعته وجعل العاقبة له، وانتقامه من أهل معصيته وجعل الدائرة عليهم فيه عبرة تبين أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وغير ذلك، مما يوافق القرآن.

ولهذا قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا} إلى قوله: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2] .

فهذا بين الاعتبار في أصول الدين، وإن كان قد تناول الاعتبار في فروعه، وكذلك قوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} إلى قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ} [آل عمران: 13] .

وأما العمل، فإن العمل بموجب العلم يثبته ويقرره ومخالفته تضعفه، بل قد تذهبه، قال الله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] ، وقال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 110] ، وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت