الصفحة 13 من 120

لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا الآيات [النساء: 66] ، وقال: {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ} الآية [المائدة: 15، 16] وقال تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} الآية [الحديد: 28] .

وأما العلم فيراد به في الأصل نوعان:

أحدهما: العلم به نفسه، وبما هو متصف به من نعوت الجلال والإكرام وما دلت عليه أسماؤه الحسنى. وهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة؛ فإنه لابد أن يعلم أن الله يثيب على طاعته، ويعاقب على معصيته، كما شهد به القرآن والعيان. وهذا معنى قول أبي حبان التيمي ـ أحد أتباع التابعين ـ العلماء ثلاثة:

عالم بالله ليس عالمًا بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالمًا بالله، وعالم بالله وبأمر الله. فالعالم بالله الذي يخشى الله، والعالم بأمر الله الذي يعرف الحلال والحرام.

وقال رجل للشعبي: أيها العالم، فقال: إنما العالم من يخشى الله. وقال ـ عبد الله ابن مسعود: كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلًا.

والنوع الثاني: يراد بالعلم بالله: العلم بالأحكام الشرعية، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ترخص في شيء، فبلغه أن أقوامًا تنزهوا عنه، فقال: (ما بال أقوام يتنزهون عن أشياء أترخص فيها! والله إني لأعلمكم بالله، وأخشاكم له) وفي رواية: (والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده) فجعل العلم به هو العلم بحدوده.

وقريب من ذلك قول بعض التابعين في صفة أمير المؤمنين على بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ حيث قال: إن كان الله في صدري لعظيمًا، وإن كنت بذات الله لعليمًا، أراد بذلك أحكام الله.

فإن لفظ الذات في لغتهم لم يكن كلفظ الذات في اصطلاح المتأخرين، بل يراد به ما يضاف إلى الله، كما قال خبيب ـ رضي الله عنه:

وذلك في ذات الإله وإن يشأ ** يبارك على أوصال شلو ممزع

ومنه الحديث: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، كلها في ذات الله) .

ومنه قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بِيْنِكُمْ} [الأنفال: 1] ، {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الحديد: 6] ونحو ذلك. فإن ذات تأنيث ذو، وهو يستعمل مضافًا يتوصل به إلى الوصف بالأجناس، فإذا كان الموصوف مذكرًا قيل: ذو كذا؛ وإن كان مؤنثًا قيل: ذات كذا، كما يقال: ذات سوار. فإن قيل: أصيب فلان في ذات الله فالمعنى في جهته ووجهته، أي فيما أمر به وأحبه، ولأجله.

ثم إن الصفات لما كانت مضافة إلى النفس فيقال في النفس أيضًا: إنها ذات علم وقدرة وكلام ونحو ذلك، حذفوا الإضافة وعرفوها فقالوا: الذات الموصوفة، أي النفس الموصوفة، فإذا قال هؤلاء المؤكدون: [الذات] ، فإنما يعنون به النفس الحقيقية، التي لها وصف ولها صفات.

والصفة والوصف تارة يراد به الكلام الذي يوصف به الموصوف، كقول الصحابي في {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] أحبها؛ لأنها صفة الرحمن، وتارة يراد به المعاني التي دل عليها الكلام، كالعلم والقدرة، والجهمية والمعتزلة وغيرهم تنكر هذه، وتقول: إنما الصفات مجرد العبارة التي يعبر بها عن الموصوف. والكلابية ومن اتبعهم من الصفاتية قد يفرقون بين الصفة والوصف، فيجعلون الوصف هو القول، والصفة المعنى القائم بالموصوف.

وأما جماهير الناس فيعلمون أن كل واحد من لفظ الصفة والوصف مصدر في الأصل كالوعد والعدة، والوزن والزنة، وأنه يراد به تارة هذا، وتارة هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت