ولما كان أولئك الجهمية ينفون أن يكون الله وصف قائم به علم أو قدرة، أو إرادة أو كلام ـ وقد أثبتها المسلمون ـ صاروا يقولون: هؤلاء أثبتوا صفات زائدة على الذات. وقد صار طائفة من مناظريهم الصفاتية يوافقونهم على هذا الإطلاق، ويقولون: الصفات زائدة على الذات التي وصفوا ـ لها صفات ووصف ـ فيشعرون الناس أن هناك ذاتًا متميزة عن الصفات، وأن لها صفات متميزة عن الذات، ويشنع نفاة الصفات بشناعات ليس هذا موضعها، وقد بينا فسادها في غير هذا الموضع.
والتحقيق أن الذات الموصوفة لا تنفك عن الصفات أصلا، ولا يمكن وجود ذات خالية عن الصفات. فدعوى المدعي وجود حي عليم قدير بصير بلا حياة ولا علم ولا قدرة، كدعوى قدرة وعلم وحياة لا يكون الموصوف بها حيًا عليمًا قديرًا. بل دعوى شيء موجود قائم بنفسه قديم أو محدث، عرى عن جميع الصفات، ممتنع في صريح العقل.
ولكن الجهمية المعتزلة وغيرهم؛ لما أثبتوا ذاتًا مجردة عن الصفات صار مناظرهم يقول: أنا أثبت الصفات زائدة على ما أثبتموه من الذات، أي لا أقتصر على مجرد إثبات ذات بلا صفات. ولم يعن بذلك أنه في الخارج ذات ثابتة بنفسها، ولا مع ذلك صفات هي زائدة على هذه الذات متميزة عن الذات؛ ولهذا كان من الناس من يقول: الصفات غير الذات، كما يقوله المعتزلة، والكرامية، ثم المعتزلة تنفيها، والكرامية تثبتها.
ومنهم من يقول: الصفة لا هي الموصوف ولا هي غيره، كما يقوله طوائف من الصفاتية، كأبي الحسن الأشعري وغيره.
ومنهم من يقول كما قالت الأئمة: لا نقول الصفة هي الموصوف، ولا نقول: هي غيره؛ لأنا لا نقول: لا هي هو، ولا هي غيره؛ فإن لفظ الغير فيه إجمال، قد يراد به المباين للشيء أو ما قارن أحدهما الآخر، وما قاربه بوجود أو زمان أو مكان، ويراد بالغيران: ما جاز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر.
وعلى الأول: فليست الصفة غير الموصوف، ولا بعض الجملة غيرها.
وعلى الثاني: فالصفة غير الموصوف، وبعض الجملة غيرها.
فامتنع السلف والأئمة من إطلاق لفظ الغير على الصفة نفيًا أو إثباتًا؛ لما في ذلك من الإجمال والتلبيس، حيث صار الجهمي يقول: القرآن هو الله أو غير الله، فتارة يعارضونه بعلمه فيقولون: علم الله هو الله أو غيره، إن كان ممن يثبت العلم، أو لا يمكنه نفيه.
وتارة يحلون الشبهة ويثبتون خطأ الإطلاقين: النفي والإثبات، لما فيه من التلبيس، بل يستفصل السائل فيقال له: إن أردت بالغير ما يباين الموصوف فالصفة لا تباينه، فليست غيره، وإن أردت بالغير ما يمكن فهم الموصوف على سبيل الإجمال، وإن لم يكن هو، فهو غير بهذا الاعتبار، والله تعالى أعلم وصلى الله على محمد.
فَصْل
وقد أثبت اللّه في القرآن إسلامًا بلا إيمان في قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا} [الحجرات: 14] . وقد ثبت في الصحيحين، عن سعد بن أبي وقاص، قال: أعطى النبي صلىلله عليه وسلم رهطًا ـ وفي رواية قسم قسمًا ـ وترك فيهم من لم يعطه، وهو أعجبهم إلى، فقلت: يا رسول اللّه، مالك عن فلان؟ فواللّه إني لأراه مؤمنًا، فقال رسول اللّه صلىلله عليه وسلم: (أو مسلمًا) . أقولها ثلاثا، ويرددها على رسول اللّه صلىلله عليه وسلم ثلاثًا، ثم قال: (إني