فهرس الكتاب
وأما الإيمان فأصله تصديق وإقرار ومعرفة، فهو من باب قول القلب المتضمن عمل القلب، والأصل فيه التصديق، والعمل تابع له؛ فلهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم [الإيمان] بإيمان القلب وبخضوعه، وهو الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله، وفسر [الإسلام] باستسلام مخصوص، هو المباني الخمس. وهكذا في سائر كلامه صلى الله عليه وسلم يفسر الإيمان بذلك النوع ويفسر الإسلام بهذا، وذلك النوع أعلى؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الإسلام علانية، والإيمان في القلب) فإن الأعمال الظاهرة يراها الناس، وأما / ما في القلب من تصديق ومعرفة وحب وخشية ورجاء فهذا باطن، لكن له لوازم قد تدل عليه، واللازم لا يدل إلا إذا كان ملزومًا؛ فلهذا كان من لوازمه ما يفعله المؤمن والمنافق، فلا يدل. . [بياض بالأصل] ففي حديث عبد اللّه بن عمرو وأبي هريرة جميعًا أن النبي صلىلله عليه وسلم قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمِنَهُ الناس على دمائهم وأموالهم) ، ففسر المسلم بأمر ظاهر وهو سلامة الناس منه؛ وفسر المؤمن بأمر باطن، وهو أن يأمنوه على دمائهم وأموالهم وهذه الصفة أعلى من تلك، فإن من كان مأمونًا سلم الناس منه، وليس كل من سلموا منه يكون مأمونًا. فقد يترك أذاهم وهم لا يأمنون إليه، خوفًا أن يكون ترك أذاهم لرغبة ورهبة؛ لا لإيمان في قلبه.
وفي حديث عبيد بن عمير عن عمرو بن عَبَسَة عن النبي صلىلله عليه وسلم؛ أن رجلًا قال للنبي صلىلله عليه وسلم: ما الإسلام؟ قال: (إطعام الطعام، ولينُ الكلام) قال: فما الإيمان؟ قال: (السَّمَاحَة والصبر) فإطعام الطعام عمل ظاهر يفعله الإنسان لمقاصد متعددة، وكذلك لين الكلام، وأما السماحة والصبر فخُلُقَانِ في النفس، قال تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد: 17] ، وهذا أعلى من ذاك، وهو أن يكون صبارًا شكورًا فيه سماحة بالرحمة للإنسان وصبر على المكاره، وهذا ضد الذي خُلِقَ هَلُوعًا إذا مسه الشر جَزُوعًا، وإذا مسه الخير منوعا، فإن ذاك ليس فيه سماحة عند النعمة، ولا صبر عند المصيبة.
/وتمام الحديث: فأي الإسلام أفضل؟ قال: (من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده) قال: يا رسول اللّّه، أي المؤمنين أكمل إيمانًا؟ قال: (أحسنهم خُلُقًا) قال: يا رسول اللّّه، أي القتل أشرف؟ قال: (من أرِيقَ دَمُهُ، وعُقِرَ جَوَادُهُ) قال: يا رسول اللّه، فأي الجهاد أفضل؟ قال: (الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّّه) . قال: يا رسول اللّه، فأي الصدقة أفضل؟ قال: (جُهْدِ المُقِلِّ) . قال: يا رسول اللّه، فأي الصلاة أفضل؟ قال: (طول القُنُوت) . قال: يا رسول اللّه، فأي الهجرة أفضل؟ قال: (من هَجَرَ السُّوءَ) . وهذا محفوظ عن عبيد بن عمير، تارة يروى مرسلًا، وتارة يروى مسندًا، وفي رواية: أي الساعات أفضل؟ قال: (جَوْفَ الليل الغَابِر) وقوله: (أفضل الإيمان السماحة والصبر) يروى من وجه آخر عن جابر عن النبي صلىلله عليه وسلم.
وهكذا في سائر الأحاديث، إنما يفسر الإسلام بالاستسلام للّه بالقلب مع الأعمال الظاهرة، كما في الحديث المعروف الذي رواه أحمد عن بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده؛ أنه قال: واللّه يا رسول اللّه، ما أتيتك حتى حلفت عدد أصابعي هذه ألا آتيك، فبالذي بعثك بالحق ما بعثك به؟ قال: (الإسلام) . قال: وما الإسلام؟ قال: (أن تسلم قلبك للّه وأن توجه وجهك إلى اللّه، وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، أخوان نصيران، لا يقبل اللّه من عبد أشرك بعد إسلامه) . وفي رواية قال: (أن تقول: أسلمت وجهي للّه وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وكل مسلم على مسلم مُحَرَّم) وفي لفظ تقول: (أسلمت نفسي للّه، وخليت وجهي إليه) . وروى محمد بن نصر من حديث خالد/ بن معدان عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلىلله عليه وسلم: (إن للإسلام صُوًى ومنارًا كمنار الطريق، من ذلك أن تعبد اللّه ولا تشرك به شيئًا، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتسلم على بني آدم إذا