الصفحة 26 من 120

لقيتهم، فإن ردوا عليك، ردت عليك وعليهم الملائكة، وإن لم يردوا عليك ردت عليك الملائكة ولعنتهم إن سَكَتَّ عنهم، وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم، فمن انتقص منهن شيئًا فهو سهم في الإسلام تركه، ومن تركهن فقد نَبَذَ الإسلام وراء ظهره).

وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً} [البقرة: 208] قال مجاهد وقتادة: نزلت في المسلمين يأمرهم بالدخول في شرائع الإسلام كلها، وهذا لا ينافي قول من قال: نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب أو فيمن لم يسلم؛ لأن هؤلاء كلهم مأمورون ـ أيضًا ـ بذلك، والجمهور يقولون: {فٌي بسٌَلًم} أي: في الإسلام. وقالت طائفة: هو الطاعة، وكلاهما مأثور عن ابن عباس، وكلاهما حق، فإن الإسلام هو الطاعة كما تقدم أنه من باب الأعمال. وأما قوله: {كَآفَّةً} فقد قيل: المراد ادخلوا كلكم. وقيل: المراد به ادخلوا في الإسلام جميعه، وهذا هو الصحيح، فإن الإنسان لا يؤمر بعمل غيره، وإنما يؤمر بما يقدر عليه، وقوله: {ادْخُلُوا} خطاب لهم كلهم فقوله: {كَآفَّةً} إن أريد به مجتمعين لزم أن يترك الإنسان الإسلام حتى يسلم غيره فلا يكون الإسلام مأمورًا به إلا بشرط موافقة الغير له كالجمعة، وهذا لا يقوله مسلم، وإن أريد بكافة: أي: ادخلوا جميعكم، فكل أوامر القرآن كقوله: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحديد: 7] ، {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [النور: 56] كلها من هذا الباب، وما قيل فيها كافة، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً} [التوبة: 36] أي: قاتلوهم كلهم لا تدعوا مشركًا حتى تقاتلوه، فإنها أنزلت بعد نبذ العهود، ليس المراد: قاتلوهم مجتمعين أو جميعكم، فإن هذا لا يجب، بل يقاتلون بحسب المصلحة، والجهاد فرض على الكفاية، فإذا كانت فرائض الأعيان لم يؤكد المأمورين فيها بكافة، فكيف يؤكد بذلك في فروض الكفاية؟! وإنما المقصود تعميم المقاتلين. وقوله: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً} [التوبة: 36] فيه احتمالان.

والمقصود أن اللّّه أمر بالدخول في جميع الإسلام كما دل عليه هذا الحديث، فكل ما كان من الإسلام وجب الدخول فيه، فإن كان واجبًا على الأعيان لزمه فعله، وإن كان واجبًا على الكفاية اعتقد وجوبه، وعزم عليه إذا تعين، أو أخذ بالفضل ففعله، وإن كان مستحبًا اعتقد حسنه وأحب فعله، وفي حديث جرير: أن رجلًا قال: يا رسول اللّه، صِفْ لي الإسلام. قال: (تشهد أن لا إله إلا اللّه، وتُقِرُّ بما جاء من عند اللّه، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) قال: أقررت، في قصة طويلة فيها: أنه وقع في أخَاقِيقَ جُرْذَان، وأنه قتل وكان جائعا، وملكان يَدُسَّان في شِدْقِه من ثمار الجنة، فقوله: (وتقر بما جاء من عند اللّه) . هو الإقرار بأن محمدًا رسول اللّه فإنه هو الذي جاء بذلك.

وفي الحديث الذي يرويه أبو سليمان الداراني: حديث الوفد الذين قالوا: نحن المؤمنون، قال: (فما علامة إيمانكم؟) قالوا: خمس عشرة خَصْلة: خمس أمرتنا رسلك أن نعمل بهن، وخمس أمرتنا رسلك أن/نؤمن بهن، وخمس تَخَلَّقْنَا بها في الجاهلية، ونحن عليها في الإسلام إلا أن تكره منها شيئًا. قال: (فما الخمس التي أمرتكم رسلي أن تعملوا بها؟) قالوا: أن نشهد أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان، ونحج البيت. قال: (وما الخمس التي أمرتكم أن تؤمنوا بها؟) قالوا: أمرتنا أن نؤمن باللّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، قال: (وما الخمس التي تخلقتم بها في الجاهلية، وثَبَتُّمْ عليها في الإسلام؟) قالوا: الصبر عند البَلاء، والشكر عند الرَّخَاء والرِّضَي بِمُرِّ القضاء، والصدق في مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء، فقال النبي صلىلله عليه وسلم: (علماء حكماء، كادوا من صِدْقِهم أن يكونوا أنبياء) . فقال صلىلله عليه وسلم: (وأنا أزيدكم خمسًا فتتم لكم عشرون خصلة: إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا في شيء أنتم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت