الصفحة 43 من 120

بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [البقرة: 35،36] ، فكل عداوة كانت في ذريتهما وبلاء ومكروه وتكون إلى قيام الساعة وفى النار يوم القيامة سببها الذنوب ومعصية الرب تعالى.

فالإنسان إذا كان مقيما على طاعة اللّه باطنا وظاهرًا كان في نعيم الإيمان والعلم وارد عليه من جهاته، وهو في جنة الدنيا، كما في الحديث: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا) . قيل: وما رياض الجنة؟ قال: (مجالس الذكر) ، وقال: (ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة) ، فإنه كان يكون هنا في رياض العلم والإيمان.

وكلما كان قلبه في محبة اللّه وذكره وطاعته كان معلقًا بالمحل الأعلى، فلا يزال في علو ما دام كذلك، فإذا أذنب هبط قلبه إلى أسفل، فلا يزال في هبوط ما دام كذلك، ووقعت بينه وبين أمثاله عداوة، فإن أراد الله به خيرًا ثاب وعمل في حال هبوط قلبه إلى أن يستقيم فيصعد قلبه، قال تعالى: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} [الحج: 37] فتقوى القلوب هى التى تنال اللّه، كما قال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] ،فأما الأمور المنفصلة عنا من اللحوم والدماء فإنها لا تنال اللّه.

والباطنية ـ المنكرون لخلق العالم في ستة أيام، ومعاد الأبدان ـ الذين يجعلون للقرآن تأويلا يوافق قولهم، عندهم ما ثَمَّ (جَنَّة) إلا لذة ما تتصف بها النفس من العلم والأخلاق الحميدة، وما ثَمَّ (نار) إلا ألم ما تتصف به النفس من الجهل والأخلاق الذميمة السيئة، فنار النفوس ألمها القائم بها كحسراتها لفوات العلم، أو لفوات الدنيا المحبوبة لها، وحجبها إنما هى ذنوبها.

وهذا الكلام مما يذكره أبو حامد فى (المضنون به على غير أهله) ،لكن قد يقول هذا: ليس هو عذاب القبر المذكور في الأجسام، بل ذاك أمر آخر مما بينه أهل السنة، ولا نعيم عندهم إلا ما يقوم بالنفس من هذا؛ ولهذا ليس عندهم نعيم منفصل عن النفس ولا عذاب.

وهذا القول من أفسد الأقوال شرعًا وعقلا؛ فإن الناس في الدنيا يثابون ويعاقبون بأمور منفصلة عنهم، فكيف في دار الجزاء؟ ولكن الذى أثبتوه من هذا وهذا منه ما هو حق، ولكن الباطل جحدهم ما جحدوه مما أخبر الله به ورسوله، فهؤلاء عندهم أن آدم لم يكن إلا في جنة العلم، وهبوطه انخفاض درجته في العلم، وهذا كذب، ولكن ما أثبتوه من الحق حق، وقصة آدم تدل عليه بطريق الاعتبار الذي تسميه الصوفية الإشارة، لا أنه هو المراد بالآية، لكن قد دل عليه آيات أخر تدل على أن من كذب بالحق عوقب بأن يطبع على قلبه فلا يفهم العلم، أو لا يفهم المراد منه، وأنه يسلط عليه عدوه ويجد ذلًا، كما قال تعالى عن اليهود: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} [البقرة: 61] ، {ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61] .

ولا ريب أن لذة العلم أعظم اللذات، واللذة التى تبقى بعد الموت وتنفع في الآخرة هى لذة العلم بالّله والعمل له، وهو الإيمان به، وهم يجعلون ذلك الوجود المطلق.

وأيضا، فنفس العلم به إن لم يكن معه حب له وعبادة له، بل كان مع حب لغيره كائنا من كان، فإن عذاب هذا قد يكون من أعظم العذاب في الدنيا والآخرة، وهم لا يجعلون كمال اللذة إلا في نفس العلم.

وأيضًا فاقتصارهم على اللذة العقلية خطأ، والنصارى زادوا عليهم السمع والشم، فقالوا: يتمتعون بالأرواح المتعشقة والنغمات المطربة، ولم يثبتوا هم ولا اليهود الأكل والشرب ولا النكاح ـ وهى لذة اللمس ـ والمسلمون أثبتوا جميع أنواع اللذات؛ سمعًا، وبصرًا، وشمًا، وذوقا، ولمسا، للروح والبدن جميعًا، وكان هذا هو الكمال، لا ما يثبته أهل الكتاب ومن هو شر منهم من الفلاسفة الباطنية، وأعظم لذات الآخرة لذة النظر إلى اللّه ـ سبحانه ـ كما في الحديث الصحيح: (فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه) ، وهو ثمرة معرفته وعبادته في الدنيا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت