الصفحة 44 من 120

فأطيب ما في الدنيا معرفته، وأطيب ما في الآخرة النظر إليه ـ سبحانه ـ ولهذا كان التجلى يوم الجمعة في الآخرة على مقدار صلاة الجمعة في الدنيا.

وأبو حامد يذكر في كتبه هو وأمثاله (الرؤية) ،وأنها أفضل أنواع النعيم، ويذكر كشف الحجُب، وأنهم يرون وجه الله، ولكن هذا كله يريد به ما تقوله الجهمية والفلاسفة؛ فإن الرؤية عندهم ليست إلا العلم، لكن كما أن الإنسان قد يرى الشىء بعينيه، وقد يمثل له خياله إذا غاب عنه فهكذا العلم. ففى الدنيا ليس عندهم من العلم إلا مثال كالخيال في الحساب، وفى الآخرة يعلمونه بلا مثال، وهو عندهم (وجود لا داخل العالم ولا خارجه) ، و (كشف الحجاب) عندهم رفع المانع الذى في الإنسان من الرؤية، وهو أمر عدمي، فحقيقته جعل العبد عالمًا، وهذا كله مما تقول به الفلاسفة والباطنية.

وهؤلاء إنما يأمرون بالزهد في الدنيا لينقطع تعلق النفس بها وقت فراق النفس، فلا تبقى النفس مفارقة لشىء يحبه، لكن أبو حامد لا يبيح محظورات الشرع قط، بل يقول: قتل واحد من هؤلاء خير من قتل عدد كثير من الكفار.

وأما هؤلاء فالواصل عندهم إلى العلم المطلوب قد يبيحون له محظورات الشرائع، حتى الفواحش والخمر وغيرها، إذا كانوا ممن يعتقد تحريم الخمر، وإلا فغالب هؤلاء لا يوجبون شريعة الإسلام، بل يجوزون التهود والتنصر، وكل من كان من هؤلاء واصلا إلى علمهم فهو سعيد.

وهكذا تقول الاتحادية منهم؛ كابن سبعين، وابن هود، والتلمسانى، ونحوهم، ويدخلون مع النصارى بِيَعَهُم [جمع بيعة، وهى متعبد النصارى] ، ويصلون معهم إلى الشرق، ويشربون معهم ومع اليهود الخمر، ويميلون إلى دين النصارى أكثر من دين المسلمين لما فيه من إباحة المحظورات؛ ولأنهم أقرب إلى الاتحاد والحلول؛ ولأنهم أجهل فيقبلون ما يقولونه أعظم من قبولهم لقول المسلمين، وعلماء النصارى جهال إذا كان فيهم متفلسف عظموه، وهؤلاء يتفلسفون.

والواحد من هؤلاء يفرح إذا قيل له: لست بمسلم، ويحكى عن نفسه كما كان أحمد الماردينى وهو من أصحاب ابن عربى يحكى عن نفسه أنه دخل إلى بعض ديارات النصارى ليأخذ منهم ما يأكله هو ورفيقه، فأخذ بعضهم يتكلم في المسلمين، ويقول: يقولون: كذا وكذا، فقال له آخر: لا تتكلم في المسلمين فهذا واحد منهم، فقال ذلك المتكلم: هذا وجهه وجه مسلم؟ أى ليس هذا بمسلم، فصار يحكيها الماردينى أن النصرانى قال عنه: ليس هذا بمسلم، ويفرح بقول النصرانى ويصدقه فيما يقول، أى ليس هو بمسلم.

والمتفلسفة يصرحون بهذا. يقولون: قلنا: كذا وكذا، وقال المسلمون: كذا وكذا، وربما قالوا: قلنا: كذا، وقال المِلِّيُّون: كذا أى: أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى وكتبهم مشحونة بهذا، ولا بد لأحدهم عند أهل الملل أن يكون على دينهم.

لكن دخولهم في هذا كدخولهم في سياسة الملوك، كما كانوا مع الترك الكفار، وكانوا مع هولاكو ملك المغول الكفار، ومع القان الذى هو أكبر منه خليفة جنكزخان ببلاد الخطا، وانتساب الواحد منهم هناك إلى الإسلام انتساب إلى إسلام يرضاه ذلك الملك بحسب غرضه، كما كان النصير الطوسى [هو محمد بن محمد بن الحسن نصير الدين الطوسى، فيلسوف، كان رأسا في العلوم العقلية، ذا منزلة من هولاكو، فكان يطيعه فيما يشير به عليه، اتخذ خزانة ملأها من الكتب التى نهبت من بغداد والشام والجزيرة، اجتمع فيها نحو أربعمائة ألف مجلد، ولد بطوس سنة 597 هـ، وتوفى سنة 672 هـ] وأمثاله مع هولاكو ملك الكفار، وهو الذى أشار عليهم بقتل الخليفة ببغداد لما استولى عليها وأخذ كتب الناس، ملكها ووقفها، وأخذ منها ما يتعلق بغرضه، وأفسد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت