فهرس الكتاب
الباقى، وبنى الرصد ووضعها فيه، وكان يعطى من وقف المسلمين لعلماء المشركين البخشية والطوينية، ويعطى في رصده الفيلسوف والمنجم والطبيب أضعاف ما يعطى الفقيه، ويشرب هو وأصحابه الخمر في شهر رمضان، ولا يصلون.
وكذلك كان بالشام ومصر طائفة مع تصوفهم وتألههم وتزهدهم يشرب أحدهم الخمر في نهار رمضان، وتارة يصلون وتارة لا يصلون. فإنهم لا يدينون بإيجاب واجبات الإسلام وتحريم محرماته عليهم، بل يقولون: هذا للعامة والأنبياء، وأما مثلنا فلا يحتاج إلى الأنبياء. ويحكون عن بعض الفلاسفة أنه قيل له: قد بعث نبى، فقال: لو كان الناس كلهم مثلى ما احتاجوا إلى نبى. ومثل هذه الحكاية يحكيها من يكون رئيس الأطباء ولا يعرف الزندقة ولا يدرى مضمون هذه الكلمة ما هو؛ لجهله بالنبوات. وقيل لرئيسهم الأكبر في زمن موسى ـ عليه السلام: ألا تأتيه فتأخذ عنه؟ فقال: نحن قوم مهديون فلا نحتاج إلى من يهدينا.
وأما ما ذكروه من حصول اللذة في القلب والنعيم بالإيمان بالله والمعرفة به فهو حق، وهو سبب دخول الجنة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصُفِّدَت الشياطين) . وما ذاك إلا لأنه في شهر رمضان تنبعث القلوب إلى الخير والأعمال الصالحة التى بها وبسببها تفتح أبواب الجنة، ويمتنع من الشرور التى بها تفتح أبواب النار، وتصفد الشياطين فلا يتمكنون أن يعملوا ما يعملونه في الإفطار؛ فإن المصفد هو المقيد، لأنهم إنما يتمكنون من بنى آدم بسبب الشهوات، فإذا كُفّوا عن الشهوات صفدت الشياطين.
والجنة والنار التى تفتح وتغلق غير ما في القلوب، ولكن ما في القلوب سبب له ودليل عليه وأثر من آثاره، وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (الذى يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) . فقيل: يأكلون ويشربون ما سيصير نارًا. وقيل: هو سبب النار. واللّه ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم.
وَقَالَ شيخ الإسلام:
قوله: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ} الآية بعد قوله: {كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ} [النساء: 78، 79] ، لو اقتصر على الجمع أعرض العاصى عن ذم نفسه، والتوبة من الذنب، والاستعاذة من شره، وقام بقلبه حجة إبليس، فلم تزده إلا طردًا، كما زادت المشركين ضلالا حين قالوا: {لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا} [الأنعام: 148] .
ولو اقتصر على الفرق لغابوا عن التوحيد والإيمان بالقدر، واللجاء إلى اللّه في الهداية، كما في خطبته صلى الله عليه وسلم: (الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستغفره) فيشكره ويستعينه على طاعته، ويستغفره من معصيته، ويحمده على إحسانه. ثم قال: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) إلى آخره، لما استغفر من المعاصى استعاذه من الذنوب التى لم تقع ثم قال: (ومن سيئات أعمالنا) ،أى: ومن عقوباتها، ثم قال: (من يهد الله فلا مضل له) إلخ. شهادة بأنه المتصرف في خلقه، ففيه إثبات القضاء الذى هو نظام التوحيد، هذا كله مقدمة بين يدى الشهادتين، فإنما يتحققان بحمد الله وإعانته، واستغفاره واللجاء إليه، والإيمان بأقداره. فهذه الخطبة عقد نظام الإسلام والإيمان.
وقال: كون الحسنات من الله والسيئات من النفس له وجوه:
الأول: أن النعم تقع بلا كسب.
الثانى: أن عمل الحسنات من إحسان الله إلى عبده، فخلق الحياة، وأرسل الرسل، وحبب إليهم الإيمان. وإذا تدبرت هذا شكرت الله فزادك، وإذا علمت أن الشر لا يحصل إلا من نفسك تبت فزال.
الثالث: أن الحسنة تضاعف.