الصفحة 46 من 120

الرابع: أن الحسنة يحبها ويرضاها، فيحب أن ينعم، ويحب أن يطاع؛ ولهذا تأدب العارفون فأضافوا النعم إليه والشر إلى محله، كما قال إمام الحنفاء: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} إلى قوله: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 78ـ80] .

الخامس: أن الحسنة مضافة إليه لأنه أحسن بها بكل اعتبار، وأما السيئة فما قدرها إلا لحكمة.

السادس: أن الحسنات أمور وجودية متعلقة بالرحمة والحكمة؛ لأنها إما فعل مأمور أو ترك محظور، والترك أمر وجودى، فتركه لما عرف أنه ذنب، وكراهته له ومنع نفسه منه أمور وجودية، وإنما يثاب على الترك على هذا الوجه.

وقد جعل النبى صلى الله عليه وسلم البغض في الله من أوثق عُرَى الإيمان، وهو أصل الترك، وجعل المنع لله من كمال الإيمان وهو أصل الترك. وكذلك براءة الخليل من قومه المشركين ومعبوديهم ليست تركا محضًا، بل صادرًا عن بغض وعداوة. وأما السيئات فمنشؤها من الظلم والجهل. وفى الحقيقة كلها ترجع إلى الجهل، وإلا فلو تم العلم بها لم يفعلها؛ فإن هذا خاصة العقل، وقد يغفل عن هذا كله بقوة وارد الشهوة، والغفلة، والشهوة أصل الشر، كما قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} الآية [الكهف: 28] .

السابع: أن ابتلاءه له بالذنوب عقوبة له على عدم فعل ما خلق له وفطر عليه.

الثامن: أن ما يصيبه من الخير والنعم لا تنحصر أسبابه من إنعام الله عليه، فيرجع في ذلك إلى الله، ولا يرجو إلا هو؛ فهو يستحق الشكر التام الذى لا يستحقه غيره، وإنما يستحق من الشكر جزاء على ما يسره الله على يديه، ولكن لا يبلغ أن يشكر بمعصية الله، فإنه المنعم بما لا يقدر عليه مخلوق، ونعم المخلوق منه أيضًا، وجزاؤه على الشكر والكفر لا يقدر أحد على مثله.

فإذا عرف أن {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ} [فاطر: 2] صار توكله ورجاؤه إلى الله وحده، وإذا عرف ما يستحقه من الشكر الذى يستحقه صار له. . . [بياض بالأصل] ، والشر انحصر سببه في النفس؛ فعلم من أين يؤتى فتاب واستعان بالله، كما قال بعض السلف: لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخاف إلا ذنبه، وقد تقدم قول السلف ـ ابن عباس وغيره ـ أن ما أصابهم يوم أحد مطلقًا كان بذنوبهم لم يستثن أحد، وهذا من فوائد تخصيص الخطاب؛ لئلا يظن أنه عام مخصوص.

التاسع: أن السيئة إذا كانت من النفس والسيئة خبيثة، كما قال تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} الآية [النور: 26] ،قال جمهور السلف: الكلمات الخبيثات للخبيثين، وقال: {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ} [إبراهيم: 26] ،وقال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] والأقوال والأفعال صفات للقائل الفاعل، فإذا اتصفت النفس بالخبث فمحلها ما يناسبها، فمن أراد أن يجعل الحيات يعاشرن الناس كالسنانير لم يصلح، بل إذا كان في النفس خبث طهرت حتى تصلح للجنة، كما في حديث أبى سعيد ـ الذى في الصحيح ـ وفيه: (حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أذن لهم في دخول الجنة) .

فإذا علم الإنسان أن السيئة من نفسه لم يطمع في السعادة التامة، مع ما فيه من الشر، بل علم تحقيق قوله: {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] ، {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا} [الزلزلة: 7] إلخ. وعلم أن الرب عليم حكيم، رحيم عدل، وأفعاله على قانون العدل والإحسان، كما في الصحيح: (يمين الله ملأى) إلى قوله: (والقسط بيده الأخرى) وعلم فساد قول الجهمية الذين يجعلون الثواب والعقاب بلا حكمة ولا عدل.

إلى أن قال: ومن سلك مسلكهم غايته إذا عظم الأمر والنهى أن يقول ـ كما نقل عن الشاذلى [هو أبو الحسن على بن عبد الله بن عبد الجبار بن يوسف بن هرمز الشاذلى المغربى، رأس الطائفة الشاذلية، من المتصوفة، وصاحب الأوراد المسماة ـ حزب الشاذلى ـ ولد سنة 591 هـ، سكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت