الصفحة 61 من 120

ما يطلبه واستعان به بإذنه فيما يطلبه، فهذا التراضى لا اعتبار به، بل يعود تباغضًا وتعاديا وتلاعنًا، وكل منهما يقول للآخر: لولا أنت ما فعلت أنا وحدى هذا، فَهَلاكِى كان منى ومنك.

والرب لا يمنعهما من التباغض والتعادى والتلاعن، فلو كان أحدهما ظالمًا للآخر فيه لنهى عن ذلك، ويقول كل منهما للآخر: أنت لأجل غرضك أوقعتنى في هذا، كالزانيين كل منهما يقول للآخر: لأجل غرضك فعلتَ معى هذا، ولو امتنعتَ لم أفعل أنا هذا، لكن كل منهما له على الآخر مثل ما للآخر عليه؛ فتعادلا.

ولهذا إذا كان الطلب والمراودة من أحدهما أكثر، كان الآخر يتظلمه ويلعنه أكثر، وإن تساويا في الطلب تقاوما، فإذا رضى الزوج بالدياثة فإنما هو لإرضاء الرجل أو المرأة لغرض له آخر، مثل أن يكون محبًا لها، ولا تقيم معه إلا على هذا الوجه، فهو يقول للزانى بها: أنت لغرضك أفسدت على امرأتى، وأنا إنما رضيت لأجل غرضها، فأنت لما أفسدت على امرأتى وظلمتنى فعلت معى ما فعلت.

/ ومن ذلك أنه لو قال: إنى أخاف الله أن يعاقبنى ونحو ذلك؛ لقالت: أنت إنما تترك غرضى لغرضك في النجاة، وأنا سيدتك، فينبغى أن تقدم غرضى على غرضك، فلما قال: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} علل بحق سيده الذى يجب عليه وعليها رعاية حقه.

فصل

والناس في هذا المقام ـ وهو مقام حكمة الأمر والنهي ـ على ثلاثة أصناف: فالمعتزلة القدرية يقولون: إن ما أمر به ونهي عنه كان حسنًا وقبيحًا قبل الأمر والنهي، والأمر والنهي كاشف عن صفته التي كان عليها لا يكسبه حسنًا ولاقبحًا، ولا يجوز عندهم أن يأمر وينهى لحكمة تنشأ من الأمر نفسه؛ ولهذا أنكروا جواز النسخ قبل التمكن من فعل العبادة، كما في قصة الذبيح، ونسخ الخمسين صلاة التي أمر بها ليلة المعراج إلى خمس، ووافقهم على منع النسخ قبل وقت العبادة/ طائفة من أهل السنة المثبتين للقدر؛ لظنهم أنه لابد من حكمة تكون في المأمور به والمنهي عنه، فلا يجوز أن ينهى عن نفس ما أمر به، وهذا قياس من يقول: إن النسخ تخصيص في الأزمان، فإن التخصيص لا يكون برفع جميع مدلول اللفظ، لكنهم تناقضوا.

والجهمية الجبرية يقولون: ليس للأمر حكمة تنشأ، لا من نفس الأمر، ولا من نفس المأمور به، ولا يخلق الله شيئا لحكمة، ولكن نفس المشيئة أوجبت وقوع ما وقع وتخصيص أحد المتماثلين بلا مخصص، وليست الحسنات سببًا للثواب ولا السيئات سببًا للعقاب، ولا لواحد منهما صفة صار بها حسنة وسيئة، بل لا معني للحسنة إلا مجرد تعلق الأمر بها، ولا معني للسيئة إلا مجرد تعلق النهي بها، فيجوز أن يأمر بكل أمر حتى الكفر والفسوق والعصيان، ويجوز أن ينهى عن كل أمر حتى عن التوحيد والصدق والعدل، وهو لو فعل لكان كما لو أمر بالتوحيد والصدق والعدل، ونهي عن الشرك والكذب والظلم. هكذا يقول بعضهم، وبعضهم يقول: يجوز الأمر بكل ما لا ينافي معرفة الأمر، بخلاف ما ينافي معرفته، وليس في الوجود عندهم سبب، ولكن إذا اقترن أحد الشيء ين بالآخر خلقًا أو شرعًا، صار علامة عليه، فالأعمال مجرد علامات محضة لا أسباب مقتضية.

وقالوا: أمر من لم يؤمن بالإيمان معناه: إني أريد أن أعذبكم، /وعدم إيمانكم علامة على العذاب، وكذلك أمره بالإيمان من علم أنه يؤمن معناه: إني أريد أن أثيبك، والإيمان علامة. وهؤلاء منهم من ينفي القياس في الشرع والتعليل للأحكام، ومن أثبت القياس منهم، لم يجعل العلل إلا مجرد علامات، ثم إنه مع هذا قد علم أن الحكم في الأصل ثابت بالنص والإجماع، وذلك دليل عليه، فأي حاجة إلى العلة؟ وكيف يتصور أن تكون العلة علامة على الحكم في الأصل، وإنما تطلب علته

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت