فهرس الكتاب
بعد أن يعلم ثبوت الحكم، وحينئذ فلا فائدة في العلامة. وأما الفرع فلا يكون علة له حتى يكون علة للأصل، وهؤلاء منهم من ينكر العلل المناسبة ويقول: المناسبة ليست طريقًا لمعرفة العلل وهم أكثر أصحاب هذا القول. ومن قال بالمناسبة من متأخرىهم يقول: إنه قد اعتبر في الشرع اعتبار المناسب، فيستدل بمجرد الاقتران، لا لأن الشارع حكم بما حكم به لتحصيل المصلحة المطلوبة بالحكم، ولا لدفع مفسدة أصلًا، فإن عندهم أنه ليس في خلقه ولا أمره لام كي. فجهم - رأس الجبرية- وأتباعه في طرف، والقدرية في الطرف الآخر.
وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة الإسلام ـ كالفقهاء المشهورين وغيرهم ومن سلك سبيلهم من أهل الفقه والحديث والمتكلمين في أصول الدين وأصول الفقه ـ فيقرون بالقدر، ويقرون بالشرع، ويقرون بالحكمة لله في خلقه وأمره، لكن قد يعرف أحدهم الحكمة وقد لا يعرفها، /ويقرون بما جعله من الأسباب، وما في خلقه وأمره من المصالح التي جعلها رحمة بعباده، مع أنه خالق كل شيء وربه ومليكه ـ أفعال العباد، وغير أفعال العباد ـ وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وأن كل ما وقع من خلقه وأمره فعدل وحكمة، سواء عرف العبد وجه ذلك أو لم يعرفه.
والحكمة الناشئة من الأمر ثلاثة أنواع:
أحدها: أن تكون في نفس الفعل ـ وإن لم يؤمر به ـ كما في الصدق والعدل ونحوهما من المصالح الحاصلة لمن فعل ذلك وإن لم يؤمر به، والله يأمر بالصلاح وينهى عن الفساد.
والنوع الثاني: أن ما أمر به ونهي عنه صار متصفًا بحسن اكتسبه من الأمر، وقبح اكتسبه من النهي، كالخمر التي كانت لم تحرم ثم حرمت فصارت خبيثة، والصلاة إلى الصخرة التي كانت حسنة فلما نهي عنها، صارت قبيحة. فإن ما أمر به يحبه ويرضاه، وما نهي عنه يبغضه ويسخطه. وهو إذا أحب عبدًا ووالاه؛ أعطاه من الصفات الحسنة ما يمتاز بها على من أبغضه وعاداه. وكذلك المكان والزمان الذي يحبه ويعظمه ـ كالكعبة وشهر رمضان ـ يخصه بصفات يميزه بها على ما سواه، بحيث يحصل في ذلك الزمان والمكان من رحمته /وإحسانه ونعمته ما لا يحصل في غيره.
فإن قيل: الخمر قبل التحريم وبعده سواء، فتخصيصها بالخبث بعد التحريم ترجيح بلا مرجح.
قيل: ليس كذلك، بل إنما حرمها في الوقت الذي كانت الحكمة تقتضي تحريمها، وليس معني كون الشيء حسنًا وسيئًا مثل كونه أسود وأبيض، بل هو من جنس كونه نافعًا وضارًا، وملائمًا ومنافرًا، وصديقًا وعدوًا، ونحو هذا من الصفات القائمة بالموصوف التي تتغير بتغير الأحوال، فقد يكون الشيء نافعًا في وقت، ضارًا في وقت، والشيء الضار قد يترك تحريمه إذا كانت مفسدة التحريم أرجح، كما لو حرمت الخمر في أول الإسلام، فإن النفوس كانت قد اعتادتها عادة شديدة، ولم يكن حصل عندهم من قوة الإيمان ما يقبلون ذلك التحريم، ولا كان إيمانهم ودينهم تامًا حتى لم يبق فيه نقص إلا ما يحصل بشرب الخمر من صدها عن ذكر الله وعن الصلاة؛ فلهذا وقع التدريج في تحريمها، فأنزل الله أولًا فيها: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [البقرة: 219] ثم أنزل فيها ـ لما شربها طائفة وَصَلُّوا فغلط الإمام في القراءة ـ: آية النهي عن الصلاة سكارى، ثم أنزل الله آية التحريم.
/والنوع الثالث: أن تكون الحكمة ناشئة من نفس الأمر، وليس في الفعل البتة مصلحة، لكن المقصود ابتلاء العبد هل يطيع أو يعصي؟ فإذا اعتقد الوجوب وعزم على الفعل، حصل المقصود بالأمر فينسخ حينئذ. كما جرى للخليل في قصة الذبح، فإنه لم يكن الذبح مصلحة، ولا كان هو مطلوب الرب في نفس الأمر، بل كان مراد الرب ابتلاء إبراهيم ليقدم طاعة ربه ومحبته على