الصفحة 63 من 120

محبة الولد، ولا يبقي في قلبه التفات إلى غير الله، فإنه كان يحب الولد محبة شديدة، وكان قد سأل الله أن يهبه إياه ـ وهو خليل الله ـ فأراد ـ تعالى ـ تكميل خلته لله بألا يبقي في قلبه ما يزاحم به محبة ربه {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ} [الصافات: 103: 106] ومثل هذا الحديث الذي في صحيح البخاري، حديث أبرص وأقرع وأعمي، كان المقصود ابتلاءهم لا نفس الفعل. وهذا الوجه والذي قبله مما خفي على المعتزلة، فلم يعرفوا وجه الحكمة الناشئة من الأمر، ولا من المأمور لتعلق الأمر به، بل لم يعرفوا إلا الأول. والذين أنكروا الحكمة عندهم الجميع سواء، لا يعتبرون حكمة، ولا تخصيص فعل بأمر، ولا غير ذلك، كما قد عرف من أصلهم.

ثم إن كثيرًا من هؤلاء وهؤلاء يتكلمون في تفسير القرآن والحديث والفقه، فيبنون على تلك الأصول التي لهم ولا يعرف حقائق أقوالهم إلا /من عرف مأخذهم. فقول القائل: إن {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وفاتحة الكتاب قد تكون كل واحدة منهما في نفسها مماثلة لسائر السور، وآية الكرسي مماثلة لسائر الآيات، وإنما خصت بكثرة ثواب قارئها، أو لم تتعين الفاتحة في الصلاة ونحو ذلك إلا لمحض المشيء ة من غير أن يكون فيها صفة تقتضي التخصيص، هو مبني على أصول جهم في الخلق والأمر، وإن كان وافقه عليه أبو الحسن وغيره. وكتب السنة المعروفة التي فيها آثار السلف يذكر فيها هذا وهذا، ويجعل هذا القول قول الجبرية المتبعين لجهم في أقوال القدرية الجبرية المبتدعة، والسلف كانوا ينكرون قول الجبرية الجهمية كما ينكرون قول المعتزلة القدرية، وهذا معروف عن سفيان الثوري والأوزاعي والزبيدي وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وغيرهم، وقد ذكر ذلك غير واحد من أتباع الأئمة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وسائر أهل السنة في كتبهم، كما قد بسط في مواضعه، وذكرت أقوال السلف والأئمة في ذلك.

وإنما نبهنا هنا على الأصل؛ لأن كثيرًا من الناس لا يعرف ذلك، ولا يظن قول أهل السنة في القدر إلا القول الذي هو عند أهل السنة قول جهم وأتباعه المجبرة أو ما يشبه ذلك. كما أن منهم من يظن أن قول أهل السنة في مسائل الأسماء والأحكام والموعد والوعيد هو ـ أيضًا ـ القول المعروف عند أهل السنة بقول جهم. وهذا يعرفه من يعرف /أقوال الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام المشهورين في هذه الأصول. وذلك موجود في الكتب المصنفة التي فيها أقوال جمهور الأئمة التي يذكر فيها أقوالهم في الفقه كثيرًا، والعلماء الأكابر من أتباع الأئمة الأربعة على مذهب السلف في ذلك، وكثير من الكتب المصنفة التي يذكر فيها أقوال السلف على وجه الاتباع من تصنيف أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم يذكرون ذلك فيها.

وينبغي للعاقل أن يعرف أن مثل هذه المسائل العظيمة التي هي من أعظم مسائل الدين لم يكن السلف جاهلين بها ولا معرضين عنها، بل من لم يعرف ما قالوه فهو الجاهل بالحق فيها، وبأقوال السلف، وبما دل عليه الكتاب والسنة. والصواب في جميع مسائل النزاع ما كان عليه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وقولهم هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والعقل الصريح. وقد بسط هذا في مواضع كثيرة. والله ـ سبحانه ـ أعلم.

فصل

وقد احتج بـ [سورة الإخلاص] من أهل الكلام المحدث من يقول: الرب ـ تعالى ـ جسم كبعض الذين وافقوا هشام بن الحكم، ومحمد بن كرام، وغيرهما، ومن ينفي ذلك ويقول: ليس بجسم ممن وافق جهم بن صفوان، وأبا الهذيل العلاف، ونحوهما، فأولئك قالوا: هو صمد والصمد لا جوف له، وهذا إنما يكون في الأجسام المصمتة، فإنها لا جوف لها، كما في الجبال والصخور وما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت