فهرس الكتاب
عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: 82] ، وهذا بخلاف ما جاء من عند الله، فإنه محفوظ، كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، فدل ذلك على ضعف هذا القول.
وأيضًا، فإن القول بالجواز موافق للعموم اللفظي والمعنوي، مدلول عليه بالظواهر والمعاني، فإن تناول اسم الماء لمواقع الإجماع، كتناوله لموارد النزاع في اللغة، وصفات هذا كصفات هذا في الجنس، فتجب التسوية بين المتماثلين.
وأيضًا، فإنه على قول المانعين، يلزم مخالفة الأصل، وترك العمل بالدليل الشرعي لمعارض راجح؛ إذ كان يقتضي القياس عندهم أنه لا يجوز استعمال شيء من المتغيرات في طهارتي الحدث والخبث، لكن استثني المتغير بأصل الخلقة، وبما يشق صون الماء عنه للحرج والمشقة فكان هذا موضع استحسان ترك له القياس، وتعارض الأدلة على خلاف الأصل. وعلى القول الأول: يكون رخصة ثابتة على وفق القياس من غير تعارض بين أدلة الشرع، فيكون هذا أقوي.
وَسُئِلَ عن مس النساء: هل ينقض الوضوء أم لا؟
فأجاب:
فيه ثلاثة أقوال للفقهاء:
أحدها: أنه لا ينقض بحال، كقول أبي حنيفة وغيره.
والثاني: أنه إن كان له شهوة نقض وإلا فلا، وهو قول مالك وغيره من أهل المدينة.
والثالث: ينقض في الجملة وإن لم يكن بشهوة، وهو قول الشافعي وغيره.
وعن أحمد بن حنبل ثلاث روايات كالأقوال الثلاثة، لكن المشهور عنه قول مالك.
والصحيح في المسألة أحد قولين؛ إما الأول وهو عدم النقض مطلقًا، وإما القول الثاني وهو النقض إذا كان بشهوة. وأما وجوب الوضوء من مجرد مس المرأة لغير شهوة فهو أضعف الأقوال، ولا يعرف هذا القول عن أحد من الصحابة، ولا روى أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر المسلمين أن يتوضؤوا من ذلك؛ مع أن هذا الأمر غالب لا يكاد يسلم فيه أحد في عموم الأحوال؛ فإن الرجل لايزال يناول امرأته شيئًا وتأخذه بيدها، وأمثال ذلك مما يكثر ابتلاء الناس به، فلو كان الوضوء من ذلك واجبًا، لكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بذلك مرة بعد مرة ويشيع ذلك، ولو فعل لنقل ذلك عنه ولو بأخبار الآحاد، فلما لم ينقل عنه أحد من المسلمين أنه أمر أحدًا من المسلمين بشيء من ذلك ـ مع عموم البلوى به ـ علم أن ذلك غير واجب.
وأيضًا، فلو أمرهم بذلك لكانوا ينقلونه ويأمرون به. ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه أمر بالوضوء من مجرد المس العارى عن شهوة، بل تنازع الصحابة في قوله تعالى: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} [المائدة: 6] ، فكان ابن عباس وطائفة يقولون: الجماع، ويقولون: الله حيى كريم يُكَنِّى بما يشاء عما شاء. وهذا أصح القولين.
وقد تنازع عبد الله بن عمر والعرب وعطاء بن أبي رباح والموالي: هل المراد به الجماع أو ما دونه؟ فقالت العرب: هو الجماع. وقالت: الموالي هو ما دونه. وتحاكموا إلى ابن عباس فصوب العرب وخطَّأ الموالي.
وكان ابن عمر يقول: قُبلة الرجل امرأته ومسها بيده من الملامسة، وهذا قول مالك وغيره من أهل المدينة. ومن الناس من يقول: إن هذا قول ابن عمر وابن مسعود؛ لكونهما كانا لا يريان التيمم للجنب، فيتأولان الآية على نقض الوضوء، ولكن قد صرح في الآية أن الجنب يتيمم.
وقد ناظر أبو موسى ابن مسعود بالآية فلم يجبه ابن مسعود بشيء وقد ذكر ذلك البخاري في صحيحه، فَعُلِم أن ذلك كان من عدم استحضاره لموجب الآية.