الصفحة 76 من 120

ومعلوم أن الصحابة الأكابر الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم لو كانوا يتوضؤون من مس نسائهم مطلقًا، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بذلك، لكان هذا مما يعلمه بعض الصغار، كابن عمر وابن عباس وبعض التابعين، فإذا لم ينقل ذلك صاحب ولا تابع، كان ذلك دليلا على أن ذلك لم يكن معروفًا بينهم. وإنما تكلم القوم في تفسير الآية، والآية إن كان المراد بها الجماع فلا كلام، وإن كان أريد بها ما هو أعم من الجماع فيقال: حيث ذكر الله ـ تعالى ـ في كتابه مس النساء ومباشرتهن ونحو ذلك، فلا يريد به إلا ما كان على وجه الشهوة واللذة، وأما اللمس العارى عن ذلك فلا يعلق الله به حكما من الأحكام أصلا، وهذا كقوله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] ، فنهى العاكف عن مباشرة النساء مع أن العلماء يعلمون أن المعتكف لو مس امرأته بغير شهوة لم يحرم ذلك عليه، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يدنى رأسه إلى عائشة ـ رضي الله عنها ـ فترجله وهو معتكف. ومعلوم أن ذلك مظنة مسه لها ومسها له.

وأيضًا، فالإحرام أشد من الاعتكاف ولو مسته المرأة لغير شهوة لم يأثم بذلك ولم يجب عليه دم، وهذا الوجه يستدل به من وجهين: من جهة ظاهر الخطاب، ومن جهة المعنى والاعتبار. فإن خطاب الله ـ تعالى ـ في القرآن بذكر اللمس والمس والمباشرة للنساء ونحو ذلك لا يتناول ما تجرد عن شهوة أصلا، ولم يتنازع المسلمون في شيء من ذلك إلا في آية الوضوء، والنزاع فيها متأخر، فيكون ما أجمعوا عليه قاضيًا على ما تنازع فيه متأخروهم.

وأما طريق الاعتبار فإن اللمس المجرد لم يعلق الله به شيئا من الأحكام، ولا جعله موجبًا لأمر، ولا منهيًا عنه في عبادة ولا اعتكاف ولا إحرام، ولا صلاة ولا صيام، ولا غير ذلك. ولا جعله ينشر حرمة المصاهرة، ولا يثبت شيئًا غير ذلك، بل هذا في الشرع كما لو مس المرأة من وراء ثوبها ونحو ذلك من المس الذي لم يجعله الله سببًا لإيجاب شيء ولا تحريم شيء.

وإذا كان كذلك، كان إيجاب الوضوء بهذا مخالفًا للأصول الشرعية المستقرة، مخالفًا للمنقول عن الصحابة، وكان قولا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، بل المعلوم من السنة مخالفته، بل هذا أضعف ممن جعل المنى نجسًا، فإن القول بنجاسة المنى ضعيف، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدًا بغسل ما يصيب بدنه أو ثيابه من المنى مع كثرة ما كان يصيب الناس من ذلك في حياته؛ وقد أمر الحائض أن تغسل ما أصاب ثوبها من الدم مع أن ذلك قليل بالنسبة لإصابة المنى للرجال، ولو كان ذلك واجبًا لبينه، بل كان يغسل ويمسح تقذرًا، كما كانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ تارة تغسله وتارة تفركه من ثوبه صلى الله عليه وسلم).

وكان سعد بن أبي وقاص وابن عباس يقولان: أمطه عنك ولو بأذخرة فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وكانت عمرة تغسله من ثوبه. فإن كان في اعتقاده نجاسة المنى، فهذا نزاع بين الصحابة، والسنة تفصل بينهم. فإذا كانت نجاسة المنى ضعيفة في السنة لكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك لعموم البلوى به. لكن هذا أضعف لكون الصحابة لم يحك أحد منهم مجرد اللمس العارى عن الشهوة ناقضًا، وإنما تنازعوا في اللمس المعتاد للشهوة كالقبلة والغمز باليد ونحو ذلك.

وأيضًا، فإيجاب الوضوء من جنس اللمس كمس النساء ومس الذكر إن لم يعلل بكونه مظنة تحريك الشهوة، وإلا كان مخالفًا للأصول، فأما إذا عُلِّل بتحريك الشهوة، كان مناسبًا للأصول، وهنا للفقهاء طريقان:

أحدهما: قول من يقول: إن ذلك مظنة خروج الناقض، فأقيمت المظنة مقام الحقيقة. وهذا قول ضعيف، فإن المظنة إنما تقام مقام الحقيقة إذا كانت الحكمة خفية وكانت المظنة تفضى إليها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت