فهرس الكتاب
غالبا، وكلاهما معدوم، فإن الخارج لو خرج لعلم به الرجل. وأيضًا، فإن مس الذكر لا يوجب خروج شيء في العادة أصلا؛ فإن المنى إنما يخرج بالاستمناء وذلك يوجب الغسل، والمذى يخرج عقيب تفكر ونظر ومس المرأة لا الذكر، فإذا كانوا لا يوجبون الوضوء بالنظر الذي هو أشد إفضاء إلى خروج المنى، فبمس الذكر أولى.
والقول الثاني: أن يقال: اللمس سبب تحريك الشهوة كما في مس المرأة، وتحريك الشهوة يُتوضأ منه كما يتوضأ من الغضب وأكل لحم الإبل، لما في ذلك من أثر الشيطان الذي يطفأ بالوضوء؛ ولهذا قال طائفة من أصحاب أبي حنيفة: إنما يتوضأ إذا انتشر انتشارًا شديدًا. وكذلك قال طائفة من أصحاب مالك: يتوضأ إذا انتشر، لكن هذا الوضوء من اللمس: هل هو واجب أو مستحب؟ فيه نزاع بين الفقهاء ليس هذا موضع ذكره، فإن مسألة الذكر لها موضع آخر وإنما المقصود هنا مسألة مس النساء.
والأظهر ـ أيضًا ـ أن الوضوء من مس الذكر مستحب لا واجب، وهكذا صرح به الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، وبهذا تجتمع الأحاديث والآثار بحمل الأمر به على الاستحباب، ليس فيه نسخ قوله: (وهل هو إلا بضعة منك؟) ، وحمل الأمر على الاستحباب أولى من النسخ.
وكذلك الوضوء مما مست النار مستحب في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وبذلك يجمع بين أمره وبين تركه. فأما النسخ فلا يقوم عليه دليل، بل الدليل يدل على نقيضه. وكذلك خروج النجاسات من سائر البدن غير السبيلين كالوضوء من القيء، والرُّعَاف، والحجامة، والفِصاد، والجراح: مستحب، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة أنهم توضؤوا من ذلك. وأما الواجب فليس عليه في الكتاب والسنة ما يوجب ذلك.
وكذلك الوضوء من القهقة مستحب في أحد القولين في مذهب أحمد، والحديث المأثور في أمر الذين قهقهوا بالوضوء، وجهه أنهم أذنبوا بالضحك، ومستحب لكل من أذنب ذنبا يتوضأ ويصلي ركعتين كما جاء في السنن عن أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من مسلم يذنب ذنبا فيتوضأ ويصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر له) . والله أعلم.
الفصل الأول
القول في طهارة الأرواث والأبوال من الدواب والطير التي لم تحرم وعلى ذلك عدة أدلة:
الدليل الأول: أن الأصل الجامع طهارة جميع الأعيان حتى تتبين نجاستها، فكل ما لم يبين لنا أنه نجس فهو طاهر، وهذه الأعيان لم يبين لنا نجاستها فهي طاهرة. أما الركن الأول من الدليل، فقد ثبت بالبراهين الباهرة والحجج القاهرة. وأما الثاني فنقول: إن المنفي على ضربين: نفي نحصره ونحيط به، كعلمنا بأن السماء ليس فيها شمسان ولا قمران طالعان، وأنه ليس لنا إلا قبلة واحدة، وأن محمدًا لا نبي بعده، بل علمنا أنه لا إله إلا الله، وأن ما ليس بين اللوحين ليس بقرآن، وأنه لم يفرض إلا صوم شهر رمضان، وعلم الإنسان أنه ليس في دراهم قبل ولا تغير، وأنه لم يطعم، وأنه البارحة لم ينم، وغير ذلك مما يطول عده، فهذا كله نفي مستيقن يبين خطأ من يطلق قوله: لا تقبل الشهادة على النفي.
الثاني: ما لا يستيقن نفيه وعدمه. ثم منه ما يغلب على القلب ويقوى في الرأى، ومنه ما لا يكون كذلك. فإذا رأينا حكمًا منوطًا بنفي من الصنف الثاني، فالمطلوب أن نرى النفي ويغلب على قلوبنا.
والاستدلال بالاستصحاب وبعدم المخصص وعدم الموجب لحمل الكلام على مجازه هو من هذا القسم. فإذا بحثنا وسبرنا عما يدل على نجاسة هذه الأعيان والناس يتكلمون فيها منذ مئات من