الصفحة 79 من 120

ألا ترى أنكم تقولون: إن مفارقة الحياة لا تنجسه، وأن ما أبين منه ـ وهو حى فهو طاهر ـ أيضًا كما جاء في الأثر ـ وإن لم يؤكل لحمه ـ فلو كان إكرام الحيوان موجبًا لطهارة روثه، لكان الإنسان في ذلك القدح المعلى. وهذا سر المسألة ولبابها.

الوجه الثالث: أنه في الدرجة السفلى من الاستخباث، والطبقة النازلة من الاستقذار. كما شهد به أنفس الناس، وتجده طبائعهم وأخلاقهم، حتى لا نكاد نجد أحدًا ينزله منزلة در الحيوان ونسله، وليس لنا إلا طاهر، أو نجس. وإذا فارق الطهارات، دخل في النجاسات، والغالب عليه أحكام النجاسات ـ من مباعدته ومجانبته ـ فلا يكون طاهرًا؛ لأن العين إذا تجاذبتها الأصول، لحقت بأكثرها شبهًا، وهو متردد بين اللبن وبين غيره من البول، وهو بهذا أشبه.

ويقوى هذا أنه قال تعالى: {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ} [النحل: 66] ، قد ثبت أن الدم نجس، فكذلك الفرث؛ لتظهر القدرة والرحمة في إخراج طيب من بين خبيثين. ويبين هذا جميعه أنه يوافق غيره من البول في خلقه ولونه وريحه وطعمه، فكيف يفرق بينهما مع هذه الجوامع التي تكاد تجعل حقيقة أحدهما حقيقة الآخر؟!

فالوجه الأول: قياس التمثيل وتعليق الحكم بالمشترك المدلول عليه.

والثاني: قياس التعليل بتنقيح مناط الحكم وضبط أصل كلي.

والثالث: التفريق بينه وبين جنس الطاهرات فلا يجوز إدخاله فيها، فهذه أنواع القياس: أصل ووصل وفصل.

فالوجه الأول: هو الأصل، والجمع بينه وبين غيره من الأخباث.

والثاني: هو الأصل والقاعدة، والضابط الذي يدخل فيه.

والثالث: الفصل بينه وبين غيره من الطاهرات، وهو قياس العكس فالجواب عن هذه الحجج، والله المستعان.

أما المسلك الأول: فضعيف جدًا لوجهين:

أحدهما: أن اللام في البول للتعريف، فتفيد ما كان معروفًا عند المخاطبين، فإن كان المعروف واحدًا معهودًا فهو المراد. وما لم يكن ثم عهد بواحد، أفادت الجنس؛ إما جميعه على المرتضى، أو مطلقه على رأي بعض الناس، وربما كانت كذلك. وقد نص أهل المعرفة باللسان والنظر في دلالات الخطاب أنه لا يصار إلى تعريف الجنس إلا إذا لم يكن ثم شيء معهود، فأما إذا كان ثَمَّ شيء معهود مثل قوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل: 15، 16] ، صار معهودًا بتقدم ذكره، وقوله: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ} [النور: 63] ، هو معين؛ لأنه معهود بتقدم معرفته وعلمه، فإنه لا يكون لتعريف جنس ذلك الاسم حتى ينظر فيه، هل يفيد تعريف عموم الجنس، أو مطلق الجنس فافهم هذا، فإنه من محاسن المسالك.

فإن الحقائق ثلاثة: عامة، وخاصة، ومطلقة.

فإذا قلت: الإنسان، قد تريد جميع الجنس، وقد تريد مطلق الجنس، وقد تريد شيئًا بعينه من الجنس.

فأما الجنس العام، فوجوده في القلوب والنفوس علمًا ومعرفة وتصورا.

وأما الخاص من الجنس: مثل زيد وعمرو، فوجوده هو حيث حل، وهو الذي يقال له وجود في الأعيان، وفي خارج الأذهان وقد يتصور هكذا في القلب خاصًا متميزا.

وأما الجنس المطلق مثل الإنسان المجرد عن عموم وخصوص، الذي يقال له نفس الحقيقة، ومطلق الجنس، فهذا كما لا يتقيد في نفسه، لا يتقيد بمحله، إلا أنه لا يدرك إلا بالقلوب، فتجعل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت