الصفحة 80 من 120

محلا له بهذا الاعتبار، وربما جعل موجودا في الأعيان باعتبار أن في كل إنسان حظًا من مطلق الإنسانية فالموجود في العين المعينة من النوع حظها وقسطها.

فإذا تبين هذا، فقوله: فإنه كان لا يستنزه من البول، بيان للبول المعهود، وهو الذي كان يصيبه، وهو بول نفسه. يدل على هذا ـ أيضًا ـ سبعة أوجه:

أحدها: ما روى، (فإنه كان لا يستبرئ من البول) والاستبراء لا يكون إلا من بول نفسه؛ لأنه طلب براءة الذكر، كاستبراء الرحم من الولد.

الثاني: أن اللام تعاقب الإضافة، فقوله: (من البول) كقوله: من بوله، وهذا مثل قوله: {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ} [ص: 50] ، أي أبوابها.

الثالث: أنه قد روى هذا الحديث من وجوه صحيحة: (فكان لا يستتر من بوله) وهذا يفسر تلك الرواية.

ثم هذا الاختلاف في اللفظ متأخر: عن منصور، روى الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس. ومعلوم أن المحدث لا يجمع بين هذين اللفظين، والأصل والظاهر عدم تكرر قول النبي صلى الله عليه وسلم فعلم أنهم رووه بالمعنى، ولم يبن أى اللفظين هو الأصل.

ثم إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال اللفظين، مع أن معنى أحدهما يجوز أن يكون موافقًا لمعنى الآخر، ويجوز أن يكون مخالفًا، فالظاهر الموافقة. يبين هذا أن الحديث في حكاية حال لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين، ومعلوم أنها قضية واحدة.

الرابع: أنه إخبار عن شخص بعينه أن البول كان يصيبه، ولا يستتر منه. ومعلوم أن الذي جرت العادة به بول نفسه.

الخامس: أن الحسن قال: البول كله نجس، وقال ـ أيضًا ـ: لا بأس بأبوال الغنم، فعلم أن البول المطلق عنده هو بول الإنسان.

السادس: أن هذا هو المفهوم للسامع عند تجرد قلبه عن الوسواس والتمريح، فإنه لا يفهم من قوله: فإنه كان لا يستتر من البول إلا بول نفسه. ولو قيل: إنه لم يخطر لأكثر الناس على بالهم جميع الأبوال: من بول بعير، وشاة وثور، لكان صدقًا.

السابع: أنه يكفي بأن يقال: إذا احتمل أن يريد بول نفسه؛ لأنه المعهود، وأن يريد جميع جنس البول، لم يجز حمله على أحدهما إلا بدليل، فيقف الاستدلال. وهذا ـ لعمرى ـ تنزل، وإلا فالذي قدمنا أصل مستقر، من أنه يجب حمله على البول المعهود، وهو نوع من أنواع البول، وهو بول نفسه الذي يصيبه غالبًا، ويترشرش على أفخاذه وسوقه، وربما استهان بإنقائه، ولم يحكم الاستنجاء منه. فأما بول غيره من الأدميين، فإن حكمه ـ وإن ساوى حكم بول نفسه ـ فليس ذلك من نفس هذه الكلمة، بل لاستوائهما في الحقيقة، والاستواء في الحقيقة يوجب الاستواء في الحكم. ألا ترى أن أحدا لا يكاد يصيبه بول غيره، ولو أصابه لساءه ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر عن أمر موجود غالب في هذا الحديث، وهو قوله: (اتقوا البول فإن عامة عذاب القبر منه) فكيف يكون عامة عذاب القبر من شيء لا يكاد يصيب أحدًا من الناس، وهذا بين لا خفاء به.

الوجه الثاني: أنه لو كان عامًا في جميع الأبوال، فسوف نذكر من الأدلة الخاصة على طهارة هذا النوع ما يوجب اختصاصه من هذا الاسم العام. ومعلوم من الأصول المستقرة إذا تعارض الخاص والعام فالعمل بالخاص أولى؛ لأن ترك العمل به إبطال له وإهدار، والعمل به ترك لبعض معانى العام، وليس استعمال العام وإرادة الخاص ببدع في الكلام، بل هو غالب كثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت