الصفحة 85 من 120

وبمثل ذلك علمنا كذب من يدعي النص علي خلافة علي، أو غير ذلك مما تتوفر الهمم والدواعي علي نقله ولم ينقل.

/الوجه الثاني: أن الذين جمعوا أخبار الحسين ومقتله ـ مثل أبي بكر بن أبي الدنيا، وأبي القاسم البغوي وغيرهما ـ لم يذكر أحد منهم أن الرأس حمل إلى عسقلان ولا إلى القاهرة.

وقد ذكر نحو ذلك أبو الخطاب بن دَحْية في كتابه الملقب بـ (العلم المشهور في فضائل الأيام والشهور) ، ذكر أن الذين صنفوا في مقتل الحسين أجمعوا أن الرأس لم يغترب، وذكر هذا بعد أن ذكر أن المشهد الذي بالقاهرة كذب مختلق، وأنه لا أصل له، وبسط القول في ذلك، كما ذكر في يوم عاشوراء ما يتعلق بذلك.

الوجه الثالث: أن الذي ذكره من يعتمد عليه من العلماء والمؤرخين: أن الرأس حمل إلى المدينة، ودفن عند أخيه الحسن.

ومن المعلوم: أن الزبير بن بكار، صاحب كتاب [الأنساب] ومحمد بن سعد كاتب الواقدي وصاحب الطبقات، ونحوهما من المعروفين بالعلم والثقة والاطلاع، أعلم بهذا الباب، وأصدق فيما ينقلونه من الجاهلين والكذابين، ومن بعض أهل التواريخ الذين لا يوثق بعلمهم ولا صدقهم، بل قد يكون الرجل صادقًا، ولكن لا خبرة له بالأسانيد حتى يميز بين المقبول والمردود، أو يكون سيئ الحفظ أو متهمًا بالكذب أو بالتزيد في الرواية، كحال كثير من الإخباريين والمؤرخين، / لا سيما إذا كان مثل أبي مِخْنَف لوط بن يحيي وأمثاله.

ومعلوم أن الواقدي نفسه خير عند الناس من مثل هشام بن الكلبي، وأبيه محمد بن السائب وأمثالهما، وقد علم كلام الناس في الواقدي، فإن ما يذكره هو وأمثاله إنما يعتضد به، ويستأنس به، وأما الاعتماد عليه بمجرده في العلم فهذا لا يصلح.

فإذا كان المعتمد عليهم يذكرون أن رأس الحسين دفن بالمدينة، وقد ذكر غيرهم أنه إما أن يكون قد عاد إلى البدن، فدفن معه بكربلاء، وإما أنه دفن بحلب، أو بدمشق أو نحو ذلك من الأقوال التي لا أصل لها، ولم يذكر أحد ممن يعتمد عليه أنه بعسقلان ـ علم أن ذلك باطل، إذ يمتنع أن يكون أهل العلم والصدق علي الباطل، وأهل الجهل والكذب علي الحق في الأمور النقلية، التي إنما تؤخذ عن أهل العلم والصدق، لا عن أهل الجهل والكذب.

الوجه الرابع: أن الذي ثبت في صحيح البخاري: أن الرأس حمل إلى قدام عبيد الله ابن زياد، وجعل ينكت بالقضيب علي ثناياه بحضرة أنس بن مالك. وفي المسند: أن ذلك كان بحضرة أبي برزة الأسلمي. ولكن بعض الناس روي بإسناد منقطع: أن هذا النكت كان بحضرة يزيد بن معاوية. وهذا باطل. فإن أبا برزة، وأنس / بن مالك كانا بالعراق، لم يكونا بالشام، ويزيد بن معاوية كان بالشام، لم يكن بالعراق حين مقتل الحسين، فمن نقل أنه نكت بالقضيب ثناياه بحضرة أنس وأبي برزة قدام يزيد فهو كاذب قطعًا، كذبًا معلومًا بالنقل المتواتر.

ومعلوم بالنقل المتواتر: أن عبيد الله بن زياد كان هو أمير العراق حين مقتل الحسين، وقد ثبت بالنقل الصحيح: أنه هو الذي أرسل عمر بن سعد بن أبي وقاص مقدمًا علي الطائفة التي قاتلت الحسين، وكان عمر قد امتنع من ذلك، فأرغبه ابن زياد وأرهبه حتى فعل ما فعل.

وقد ذكر المصنفون من أهل العلم بالأسانيد المقبولة: أنه لما كتب أهل العراق إلى الحسين، وهو بالحجاز: أن يقدم عليهم، وقالوا: إنه قد أميتت السنة، وأحييت البدعة. وأنه، وأنه، حتى يقال: إنهم أرسلوا إليه كتبًا ملء صندوق وأكثر، وأنه أشار عليه الأحباء الألباء فلم يقبل مشورتهم فإنه كما قيل:

وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ** وما كل مؤت نصحه بلبيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت