فهرس الكتاب
فقد أشار عليه مثل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهما بألا يذهب إليهم، وذلك كان قد رآه أخوه الحسن ـ واتفقت كلمتهم علي أن هذا لا مصلحة فيه، وأن هؤلاء العراقيين يكذبون /عليه ويخذلونه؛ إذ هم أسرع الناس إلى فتنة، وأعجزهم فيها عن ثبات، وأن أباه كان أفضل منه وأطوع في الناس، وكان جمهور الناس معه. ومع هذا فكان فيهم من الخلاف عليه والخذلان له ما الله به عليم. حتى صار يطلب السلم، بعد أن كان يدعو إلى الحرب. وما مات إلا وقد كرههم كراهة الله بها عليم، ودعا عليهم وبرم بهم.
فلما ذهب الحسين ـ رضي الله عنه ـ وأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل إليهم، واتبعه طائفة. ثم لما قدم عبيد الله بن زياد الكوفة، قاموا مع ابن زياد، وقتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وغيرهما. فبلغ الحسين ذلك، فأراد الرجوع، فوافته سرية عمر بن سعد، وطلبوا منه أن يستأسر لهم فأبي، وطلب أن يردوه إلى يزيد ابن عمه، حتى يضع يده في يده، أو يرجع من حيث جاء، أو يلحق ببعض الثغور، فامتنعوا من إجابته إلى ذلك بغيا وظلمًا وعدوانا. وكان من أشدهم تحريضًا عليه شمر بن ذي الجَوْشَن. ولحق بالحسين طائفة منهم. ووقع القتل حتى أكرم الله الحسين ومن أكرمه من أهل بيته بالشهادة ـ رضي الله عنهم وأرضاهم. وأهان بالبغي والظلم والعدوان من أهانه بما انتهكه من حرمتهم، واستحله من دمائهم، {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء} [الحج: 18] . وكان ذلك من نعمة الله علي الحسين، وكرامته له لينال منازل الشهداء، حيث لم يجعل له في أول الإسلام من الابتلاء /والامتحان ما جعل لسائر أهل بيته، كجده صلى الله عليه وسلم وأبيه وعمه، وعم أبيه ـ رضي الله عنهم. فإن بني هاشم أفضل قريش، وقريشًا أفضل العرب، والعرب أفضل بني آدم. كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثل قوله في الحديث الصحيح: (إن الله اصطفي من ولد إبراهيم بني إسماعيل، واصطفي كنانة من بني إسماعيل، واصطفي قريشًا من كنانة، واصطفي بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم) .
وفي صحيح مسلم عنه أنه قال يوم غدِير خُمٍّ: (أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) .
وفي السنن أنه شكا إليه العباس: أن بعض قريش يحقرونهم، فقال: (والذي نفسي بيده، لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم لله ولقرابتي) .
وإذا كانوا أفضل الخلق، فلا ريب أن أعمالهم أفضل الأعمال.
وكان أفضلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا عدل له من البشر، ففاضلهم أفضل من كل فاضل من سائر قبائل قريش والعرب، بل ومن بني إسرائيل وغيرهم.
ثم علي وحمزة وجعفر وعبيدة بن الحارث هم من السابقين الأولين من المهاجرين. فهم أفضل من الطبقة الثانية من سائر القبائل. ولهذا / لما كان يوم بدر أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمبارزة لما برز عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. فقال النبي: (قم يا حمزة، قم يا عبيدة، قم يا علي) . فبرز إلى الثلاثة ثلاثة من بني هاشم.
وقد ثبت في الصحيح أن فيهم نزل قوله: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} الآية [الحج: 19] . وإن كان في الآية عموم.
ولما كان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وكانا قد ولدا بعد الهجرة في عز الإسلام، ولم ينلهما من الأذي والبلاء ما نال سلفهما الطيب، فأكرمهما الله بما أكرمهما به من الابتلاء ليرفع درجاتهما وذلك من كرامتهما عليه لا من هوانهما عنده، كما أكرم حمزة وعليا وجعفرًا وعمر وعثمان وغيرهم بالشهادة وفي المسند وغيره: عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين عن