فهرس الكتاب
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من مسلم يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته، وإن قدمت، فيحدث لها استرجاعا، إلا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها) .
فهذا الحديث رواه الحسين، وعنه بنته فاطمة التي شهدت مصرعه.
وقد علم الله أن مصيبته تذكر علي طول الزمان.
فالمشروع، إذا ذكرت المصيبة وأمثالها أن يقال: {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إليه رَاجِعونَ} [البقرة: 156] (اللهم آجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيرًا منها) . قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إليه رَاجِعونَ} ، قال الله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155: 157] .
والكلام في أحوال الملوك علي سبيل التفصيل متعسر أو متعذر، لكن ينبغي أن نعلم من حيث الجملة: أنهم هم وغيرهم من الناس ممن له حسنات وسيئات يدخلون بها في نصوص الوعد أو نصوص الوعيد.
وتناول نصوص الوعد للشخص مشروط بأن يكون عمله خالصا لوجه الله، موافقا للسنة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حَمِية، ويقاتل ليقال، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) .
وكذلك تناول نصوص الوعيد للشخص مشروط بألا يكون متأولا ولا مجتهدًا مخطئًا. فإن الله عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان.
وكثير من تأويلات المتقدمين وما يعرض لهم فيها من الشبهات معروفة يحصل بها من الهوي والشهوات. فيأتون ما يأتونه بشبهة وشهوة. والسيئات التي يرتكبها أهل الذنوب تزول بالتوبة. وقد تزول بحسنات ماحية، ومصائب مكفرة، وقد تزول بصلاة المسلمين عليه، وبشفاعة / النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة في أهل الكبائر، فلهذا كان أهل العلم يختارون فيمن عرف بالظلم ونحوه مع أنه مسلم له أعمال صالحة في الظاهر ـ كالحجاج بن يوسف وأمثاله ـ أنهم لا يلعنون أحدًا منهم بعينه، بل يقولون كما قال الله تعالى: {أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَي الظَّالِمِينَ} [هود: 18] فيلعنون من لعنه الله ورسوله عامًا، كقوله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله الخمر وعاصرها ومعتصرها، وبائعها ومشتريها، وساقيها وشاربها، وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها) ، ولا يلعنون المعين. كما ثبت في صحيح البخاري وغيره: أن رجلا كان يدعي حمارا، وكان يشرب الخمر. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلده. فأتي به مرة. فلعنه رجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله) .
وذلك لأن اللعنة من باب الوعيد، والوعيد العام لا يقطع به للشخص المعين لأحد الأسباب المذكورة؛ من توبة، أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة، وغير ذلك.
وطائفة من العلماء يلعنون المعين، كيزيد. وطائفة بإزاء هؤلاء يقولون: بل نحبه، لما فيه من الإيمان الذي أمرنا الله أن نوإلى عليه؛ إذ ليس كافرًا.
والمختار عند الأمة: أنا لا نلعن معينا مطلقًا، ولا نحب معينًا مطلقًا،/ فإن العبد قد يكون فيه سبب هذا وسبب هذا إذا اجتمع فيه من حب الأمرين.
إذ كان من أصول أهل السنة التي فارقوا بها الخوارج: أن الشخص الواحد تجتمع فيه حسنات وسيئات، فيثاب علي حسناته، ويعاقب علي سيئاته. ويحمد علي حسناته ويذم علي سيئاته. وأنه من وجه مرضي محبوب، ومن وجه بغيض مسخوط؛ لهذا كان لأهل الأحداث هذا الحكم.