الصفحة 88 من 120

وأما أهل التأويل المحض الذين يسوغ تأويلهم، فأولئك مجتهدون مخطئون، خطؤهم مغفور لهم. وهم مثابون علي ما أحسنوا فيه من حسن قصدهم واجتهادهم في طلب الحق واتباعه. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر) .

ولهذا كان الكلام في السابقين الأولين ومن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، كعثمان وعلي وطلحة والزبير ونحوهم، له هذا الحكم، بل ومن هو دون هؤلاء، كأبر أهل الحديبية الذين بايعوا تحت الشجرة، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.

وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: / (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) .

فنقول في هؤلاء ونحوهم فيما شجر بينهم: إما أن يكون عمل أحدهم سعيا مشكورًا، أو ذنبا مغفورًا، أو اجتهادًا قد عفي لصاحبه عن الخطأ فيه، فلهذا كان من أصول أهل العلم: أنه لا يمكن أحد من الكلام في هؤلاء بكلام يقدح في عدالتهم وديانتهم، بل يعلم أنهم عدول مرضيون، وأن هؤلاء ـ رضي الله عنهم ـ لا سيما والمنقول عنهم من العظائم كذب مفتري، مثلما كان طائفة من شيعة عثمان يتهمون عليا بأنه أمر بقتل عثمان، أو أعان عليه. وكان بعض من يقاتله يظن ذلك به. وكان ذلك من شبههم التي قاتلوا عليا بها. وهي شبهة باطلة. وكان علي يحلف ـ وهو الصادق البار ـ: أني ما قتلت عثمان، ولا أعنت علي قتله. ويقول: اللهم شتت قتلة عثمان في البر والبحر والسهل والجبل. وكانوا يجعلون امتناعه من تسليم قتلة عثمان من شبههم في ذلك. ولم يكن ممكنا من أن يعمل كل ما يريده من إقامة الحدود، ونحو ذلك، لكون الناس مختلفين عليه، وعسكره وأمراء عسكره غير مطيعين له في كل ما كان يأمرهم به. فإن التفرق والاختلاف يقوم فيه من أسباب الشر والفساد وتعطيل الأحكام ما يعلمه من يكون من أهل العلم العارفين بما جاء من النصوص في فضل الجماعة والإسلام.

/ويزيد بن معاوية: قد أتي أمورا منكرة. منها: وقعة الحرة. وقد جاء في الصحيح عن علي ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المدينة حرام ما بين عير إلى كذا. من أحدث فيها حدثا أو آوي محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل) ، وقال: (من أراد أهل المدينة بسوء أماعه الله، كما ينماع الملح في الماء) .

ولهذا قيل للإمام أحمد: أتكتب الحديث عن يزيد؟ فقال: لا، ولا كرامة أو ليس هو الذي فعل بأهل الحرة ما فعل؟!

وقيل له ـ أي في ما يقولون ـ: أما تحب يزيد؟ فقال: وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقيل: فلماذا لا تلعنه؟ فقال: ومتى رأيت أباك يلعن أحدًا.

ومذهب أهل السنة والجماعة: أنهم لا يكفرن أهل القبلة بمجرد الذنوب، ولا بمجرد التأويل، بل الشخص الواحد إذا كانت له حسنات وسيئات فأمره إلى الله.

وهذا الذي ذكرناه هو المتفق عليه بين الناس في مقتل الحسين ـ رضي الله عنه.

/وقد رويت زيادات، بعضها صحيح، وبعضها ضعيف، وبعضها كذب موضوع.

والمصنفون من أهل الحديث في ذلك؛ كالبغوي، وابن أبي الدنيا، ونحوهما؛ كالمصنفين من أهل الحديث في سائر المنقولات، هم بذلك أعلم وأصدق بلا نزاع بين أهل العلم لأنهم يسندون ما ينقلونه عن الثقات، أو يرسلونه عمن يكون مرسله يقارب الصحة، بخلاف الأخباريين. فإن كثيرًا مما يسندونه عن كذاب أو مجهول. وأما ما يرسلونه فظلمات بعضها فوق بعض. وهؤلاء لعمري ممن ينقل عن غيره مسندًا أو مرسلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت