فهرس الكتاب
وأما أهل الأهواء ونحوهم، فيعتمدون علي نقل لا يعرف له قائل أصلا، لا ثقة ولا معتمد. وأهون شيء عندهم الكذب المختلق. وأعلم من فيهم لا يرجع فيما ينقله إلى عمدة، بل إلى سماعات عن الجاهلين والكذابين، وروايات عن أهل الإفك المبين.
فقد تبين أن القصة التي يذكرون فيها حمل رأس الحسين إلى يزيد ونكته إياها بالقضيب كذبوا فيها، وإن كان الحمل إلى ابن زياد ـ وهو الثابت بالقصة ـ فلم ينقل بإسناد معروف أن الرأس حمل إلى قدام يزيد.
ولم أر في ذلك إلا إسنادًا منقطعًا، قد عارضه من الروايات ما هو / أثبت منه وأظهر. نقلوا فيها أن يزيد لما بلغه مقتل الحسين أظهر التألم من ذلك، وقال: لعن الله أهل العراق. لقد كنت أرضي من طاعتهم بدون هذا. وقال في ابن زياد: أما إنه لو كان بينه وبين الحسين رحم لما قتله. وأنه ظهر في داره النوح لمقتل الحسين، وأنه لما قدم عليه أهله وتلاقي النساء تباكين، سوأنه خير ابنه عليا بين المقام عنده والسفر إلى المدينة، فاختار السفر إلى المدينة. فجهزه إلى المدينة جهازًا حسنا.
فهذا ونحوه ما نقلوا بالأسانيد التي هي أصح وأثبت من ذلك الإسناد المنقطع المجهول، تبين أن يزيد لم يظهر الرضي بقتل الحسين، وأنه أظهر الألم لقتله، والله أعلم بسريرته.
وقد علم أنه لم يأمر بقتله ابتداء، لكنه مع ذلك ما انتقم من قاتليه، ولا عاقبهم علي ما فعلوا؛ إذ كانوا قتلوه لحفظ ملكه الذي كان يخاف عليه من الحسين وأهل البيت ـ رضي الله عنهم أجمعين.
والمقصود هنا أن نقل رأس الحسين إلى الشام لا أصل له في زمن يزيد. فكيف بنقله بعد زمن يزيد؟ وإنما الثابت هو نقله من كربلاء إلى أمير العراق عبيد الله بن زياد بالكوفة. والذي ذكر العلماء: أنه دفن بالمدينة.
/وأما ما يرويه من لا عقل له يميز به ما يقول، ولا له إلمام بمعرفة المنقول: من أن أهل البيت سبوا، وأنهم حملوا علي البخاتي، وأن البخاتي نبت لها من ذلك الوقت سنامان، فهذا من الكذب الواضح الفاضح لمن يقوله. فإن البخاتي قد كانت من يوم خلقها الله قبل ذلك ذات سنامين، كما كان غيرها من أجناس الحيوان، والبخاتي لا تستر امرأة، ولا سبي أهل البيت أحد، ولا سبي منهم أحد، بل هذا كما يقولون: إن الحجاج قتلهم.
وقد علم أهل النقل كلهم أن الحجاج لم يقتل أحدًا من بني هاشم، كما عهد إليه خليفته عبد الملك، وأنه لما تزوج بنت عبد الله بن جعفر شق ذلك علي بني أمية وغيرهم من قريش، ورأوه ليس بكفء لها. ولم يزالوا به حتى فرقوا بينه وبينها، بل بنو مروان علي الإطلاق لم يقتلوا أحدًا من بني هاشم، لا آل علي، ولا آل العباس، إلا زيد بن علي المصلوب بكناسة الكوفة وابنه يحيي.
الوجه الرابع: أنه لو قدر أنه حمل إلى يزيد، فأي غرض كان لهم في دفنه بعسقلان، وكانت إذ ذاك ثغرًا يقيم به المرابطون؟ فإن كان قصدهم تعفية خبره فمثل عسقلان تظهره لكثرة من ينتابها للرباط. وإن كان قصدهم بركة البقعة فكيف يقصد هذا من يقال: إنه عدو له، مستحل لدمه، ساعٍ في قتله؟
/ثم من المعلوم: أن دفنه قريبًا عند أمه وأخيه بالبقيع أفضل له.
الوجه الخامس: أن دفنه بالبقيع هو الذي تشهد له عادة القوم. فإنهم كانوا في الفتن، إذا قتلوا الرجل ـ لم يكن منهم ـ سلموا رأسه وبدنه إلى أهله، كما فعل الحجاج بابن الزبير لما قتله وصلبه، ثم سلمه إلى أمه.