الصفحة 91 من 120

فقد ذكر أبو الخطاب بن دحية في كتابه [العلم المشهور] في هذا المشهد فصلا مع ما ذكره في مقتل الحسين من أخبار ثابتة وغير ثابتة، ومع هذا فقد ذكر أن المشهد كذب بالإجماع، وبين أنه نقل من عسقلان في آخر الدول العبيدية، وأنه وضع لأغراض فاسدة، وأنه بعد ذلك بقليل أزال اللّه تلك الدولة وعاقبها بنقيض قصدها.

ومازال ذلك مشهورًا بين أهل العلم حتى أهل عصرنا، من ساكني الديار المصرية، القاهرة وما حولها.

فقد حدثني طائفة من الثقات: عن الشيخ أبي عبد اللّه محمد بن على الغنوي، المعروف بابن دقيق العيد، وطائفة عن الشيخ أبي محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، وطائفة عن الشيخ أبي محمد بن القسطلاني، وطائفة عن الشيخ أبي عبد اللّه محمد القرطبي صاحب التفسير وشرح أسماء اللّه الحسني، وطائفة عن الشيخ عبد العزيز الديريني ـ كل من هؤلاء حدثني عنه من لا أتهمه، وحدثني عن بعضهم عدد كثير، كل يحدثني عمن حدثني من هؤلاء ـ: أنه كان ينكر أمر هذا المشهد، ويقول: / إنه كذب، وإنه ليس فيه الحسين ولا غيره. والذين حدثوني عن ابن القسطلاني ذكروا عنه أنه قال: إن فيه نصرانيا، بل القرطبي والقسطلاني ذكرا بطلان أمر هذا المشهد في مصنفاتهما. وبينا فيها أنه كذب. كما ذكره أبو الخطاب بن دحية.

وابن دحية هو الذي بني له الكامل دار الحديث الكاملية. وعنه أخذ أبو عمرو بن الصلاح ونحوه كثيرًا مما أخذوه من ضبط الأسماء واللغات. وليس الاعتماد في هذا على واحد بعينه، بل هو الإجماع من هؤلاء. ومعلوم أنه لم يكن بهذه البلاد من يعتمد عليه في مثل هذا الباب أعلم ولا أدق من هؤلاء ونحوهم.

فإذا كان كل هؤلاء متفقين على أن هذا كذب ومين، علم أن اللّه قد برأ منه الحسين.

وحدثني من حدثني من الثقات: أن من هؤلاء من كان يوصي أصحابه بألا يظهروا ذلك عنه خوفا من شر العامة بهذه البلاد، لما فيهم من الظلم والفساد؛ إذ كانوا في الأصل دعاة للقرامطة الباطنيين. الذين استولوا عليها مائتي سنة. فزرعوا فيهم من أخلاق الزنادقة المنافقين، وأهل الجهل المبتدعين، وأهل الكذب الظالمين، ما لم يمكن أن ينقلع إلا بعد حين. فإنه قد فتحها ـ بإزالة ملك العبيديين ـ أهل الإيمان /والسنة في الدولة النورية والصلاحية، وسكنها من أهل الإسلام والسنة من سكنها، وظهرت بها كلمة الإيمان والسنة نوعا من الظهور، لكن كان النفاق والبدعة فيها كثيرًا مستورًا، وفي كل وقت يظهر اللّه فيها من الإيمان والسنة ما لم يكن مذكورًا، ويطغي فيها من النفاق والجهل ما كان مشهورًا.

واللّه هو المسؤول أن يظهر بسائر البلاد ما يحبه ويرضاه، من الهدي والسداد. ويعظم على عباده الخير بظهور الإسلام والسنة، ويحقق ما وعد به في القرآن من علو كلمته وظهور أهل الإيمان.

وكثير من الناس قد اعتقد وتخلق بعقائد وبأخلاق هي في الأصل من أخلاق الكفار والمنافقين، وإن لم يكن بذلك من العارفين، كما أن كثيرا منهم يشارك النصاري في أعيادهم، ويعظم ما يعظمونه من الأمكنة والأزمنة والأعمال، وهو قد لا يقصد بذلك تعظيم الكفر، بل ولا يعرف أن ذلك من خصائصهم، فإذا عرف ذلك انتهي عنه وتاب منه.

وكذلك كثير من الناس تخلق بشيء من أخلاق أهل النفاق، وهو لا يعرف أنها من أخلاق المنافقين، وإذا عرف ذلك كان إلى اللّه من التائبين، واللّه يتوب علينا وعليه وعلى جميع المذنبين /من المؤمنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت