الصفحة 92 من 120

وهذا كله كلام في بطلان دعوي وجود رأس الحسين ـ رضي اللّه عنه ـ في القاهرة أو عسقلان، وكذبه.

ثم نقول: سواء كان صحيحًا أو كذبا، فإن بناء المساجد على القبور ليس من دين المسلمين، بل هو منهى عنه بالنصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، واتفاق أئمة الدين، بل لا يجوز اتخاذ القبور مساجد، سواء كان ذلك ببناء المسجد عليها، أو بقصد الصلاة عندها، بل أئمة الدين متفقون على النهى عن ذلك، وأنه ليس لأحد أن يقصد الصلاة عند قبر أحد، لا نبي ولا غير نبي، وكل من قال: إن قصد الصلاة عند قبر أحد، أو عند مسجد بني على قبر، أو مشهد، أو غير ذلك أمر مشروع، بحيث يستحب ذلك، ويكون أفضل من الصلاة في المسجد الذي لا قبر فيه، فقد مرق من الدين، وخالف إجماع المسلمين. والواجب أن يستتاب قائل هذا ومعتقده، فإن تاب وإلا قتل.

بل ليس لأحد أن يصلي في المساجد التي بنيت على القبور، ولو لم يقصد الصلاة عندها. فلا يفعل ذلك لا اتفاقا ولا ابتغاء؛ لما في ذلك من التشبه بالمشركين، والذريعة إلى الشرك، ووجوب التنبيه عليه /وعلى غيره، كما قد نص على ذلك أئمة الإسلام من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم. منهم من صرح بالتحريم، ومنهم من أطلق الكراهة، وليست هذه المسألة عندهم مسألة الصلاة في المقبرة العامة. فإن تلك منهم من يعلل النهى عنها بنجاسة التراب، ومنهم من يعلله بالتشبه بالمشركين.

وأما المساجد المبنية على القبور، فقد نهوا عنه، معللين بخوف الفتنة بتعظيم المخلوق، كما ذكر ذلك الشافعي وغيره من سائر أئمة المسلمين.

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها وعند وجودها في كبد السماء، وقال: (إنه حينئذ يسجد لها الكفار) ، فنهى عن ذلك لما فيه من المشابهة لهم، وإن لم يقصد المصلي السجود إلا للواحد المعبود.

فكيف بالصلاة في المساجد التي بنيت لتعظيم القبور؟

وهذه المسألة قد بسطناها في غير هذا الجواب.

وإنما كان المقصود تحقيق مكان رأس الحسين ـ رضي اللّه عنه ـ وبيان أن الأمكنة المشهورة عند الناس بمصر والشام، أنها مشهد الحسين، وأن فيها رأسه، فهي كذب واختلاق، وإفك وبهتان، واللّه أعلم، وكتبه أحمد بن تيمية.

ولا بد من العلم بحال المأمور والمنهي.

ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والنهي بالصراط المستقيم وهو أقرب الطرق إلى حصول المقصود. ولا بد في ذلك من الرفق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه وقال: إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف) .

ولا بد أيضًا أن يكون حليما صبورا على الأذى، فإنه لا بد أن يحصل له أذى، فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح.

كما قال لقمان لابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17] ولهذا أمر الله الرسل - وهم أئمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - بالصبر كقوله لخاتم الرسل، بل ذلك مقرون بتبليغ الرسالة. فإنه أول ما أرسل أنزلت عليه سورة {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] بعد أن أنزلت عليه سورة. اقرأ التي بها نبئ فقال: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] {قُمْ فَأَنذِرْ} [المدثر: 2] {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3] {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5] {وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] وَلِرَبِّكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت