وقال: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [السجدة: 5] وقال: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] ، وقال لعيسى: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية [آل عمران: 55] ، وقال: {بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158] وقال: {إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} [الأعراف: 206] .
وذكر الآلهة، أن لو كان آلهة لابتغوا إلى ذي العرش سبيلًا، حيث هو، فقال: {قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} [الإسراء: 24] أي طلبه، وقال: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1]
قال أبو عبد اللّه: فلن ينسخ ذلك لهذا أبدًا.
كذلك قوله: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] ، وقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] ، وقوله: {وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ} [الأنعام: 3] ، وقوله: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} الآية [المجادلة: 7] ، فليس هذا بناسخ لهذا، ولا هذا ضد لذلك.
واعلم أن هذه الآيات ليس معناها أن اللّه أراد الكون بذاته، فيكون في أسفل الأشياء، أو ينتقل فيها لانتقالها، ويتبعض فيها على أقدارها، ويزول عنها عند فنائها، جل وعز عن ذلك، وقد نزع بذلك بعض أهل الضلال، فزعموا أن اللّه / تعالى في كل مكان بنفسه كائنًا، كما هو على العرش، لا فرقان بين ذلك، ثم أحالوا في النفي بعد تثبيت ما يجوز عليه في قولهم ما نفوه؛ لأن كل من يثبت شيئًا في المعنى ثم نفاه بالقول لم يغن عنه نفيه بلسانه، واحتجوا بهذه الآيات أن اللّه ـ تعالى ـ في كل شيء بنفسه كائنًا، ثم نفوا معنى ما أثبتوه فقالوا: لا كالشيء في الشيء.
قال أبو عبد اللّه لنا قوله: {حَتَّى نَعْلَمَ} [محمد: 31] {فَسَيَرَى اللّهُ} [التوبة: 105] و {إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 15] فإنما معناه حتى يكون الموجود فيعلمه موجودًا، ويسمعه مسموعا، ويبصره مبصرًا، لا على استحداث علم ولا سمعولا بصر.
وأما قوله: {وَإِذَا أَرَدْنَا} [الإسراء: 16] : إذا جاء وقت كون المراد فيه.
وأن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18] ، {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} [الملك: 16] ، {إِذًا لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} [الإسراء: 42] فهذا وغيره مثل قوله: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] هذا منقطع يوجب أنه فوق العرش، فوق الأشياء كلها، منزه عن الدخول في خلقه، لا يخفي عليه منهم خافية؛ لأنه أبان في هذه الآيات أنه أرادأنه بنفسه فوق عباده؛ لأنه قال: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} [الملك: 16] يعني فوق العرش، والعرش على السماء؛ لأن من قد كان فوق كل شيء على السماء، في السماء، وقد قال مثل ذلك في قوله: {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ} [التوبة: 2] يعني: على الأرض، لا يريد الدخول في جوفها، وكذلك قوله: {سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ} [المائدة: 26] يعني: على الأرض، لا يريد الدخول في جوفها وكذلك قوله: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 17] يعني: فوقها عليها.