/وقال: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} ثم فصل فقال: {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} [الملك: 16] ولم يصل، فلم يكن لذلك معنى ـ إذا فصل قوله: {مَّن فِي السَّمَاء} ثم استأنف التخويف بالخسف ـ إلا أنه على عرشه فوق السماء.
وقال تعالى: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [السجدة: 5] ، وقال: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 4] ، فبين عروج الأمر وعروج الملائكة، ثم وصف وقت صعودها بالارتفاع صاعدة إليه فقال: {فٌي يّوًمُ كّانّ مٌقًدّارٍهٍ خّمًسٌينّ أّلًفّ سّنّةُ} [المعارج: 4] فقال: صعودها إليه وفصله من قوله إليه، كقول القائل: اصعد إلى فلان في ليلة أو يوم. وذلك أنه في العلو وإن صعودك إليه في يوم، فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى اللّه ـ عز وجل ـ، وإن كانوا لم يروه ولم يساووه في الارتفاع في علوه فإنهم صعدوا من الأرض، وعرجوا بالأمر إلى العلو، قال تعالى: {بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158] ولم يقل: عنده.
وقال فرعون: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ} [غافر: 36،37] ، ثم استأنف الكلام فقال: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: 37] فيما قال لي أن إلهه فوق السموات.
فبين اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ أن فرعون ظن بموسى أنه كاذب فيما قال، وعمد لطلبه حيث قاله مع الظن بموسى أنه كاذب، ولو أن موسى قال: إنه في كل مكان بذاته، لطلبه في بيته، أو في بدنه، أو حُشِّه [الحُشُّ: البستان، ويطلق على مخرج الغائط] ، فتعالى اللّه عن ذلك، ولم يجهد نفسه ببنيان الصرح [الصَّرْح: بيت واحد يُبنى مفردًا طويلًا ضخمًا] .
/قال أبو عبد اللّه: وأما الآي التي يزعمون أنها قد وصلها ـ ولم يقطعها كما قطع الكلام الذي أراد به أنه على عرشه ـ فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فأخبر بالعلم ثم أخبر أنه مع كل مناج، ثم ختم الآية بالعلم بقوله: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7] .
فبدأ بالعلم، وختم بالعلم، فبين أنه أراد أنه يعلمهم حيث كانوا، لا يخفون عليه، ولا يخفي عليه مناجاتهم. ولو اجتمع القوم في أسفل، وناظر إليهم في العلو، فقال: إني لم أزل أراكم، وأعلم مناجاتكم لكان صادقًا ـ ولله المثل الأعلى أن يشبه الخلق ـ فإن أبَوْا إلا ظاهر التلاوة وقالوا: هذا منكم دعوى، خرجوا عن قولهم في ظاهر التلاوة؛ لأن من هو مع الاثنين فأكثر، هو معهم لا فيهم، ومن كان مع شيء خلا جسمه، وهذا خروج من قولهم.
وكذلك قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] ، لأن ما قرب من الشيء ليس هو في الشيء، ففي ظاهر التلاوة على دعواهم أنه ليسفي حبل الوريد. وكذلك قوله: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] لم يقل: في السماء ثم قطع ـ كما قال: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} ثم قطع فقال: {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} [الملك: 16] ـ فقال: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ