وبلغني أنه قيل لبشر بن الحارث: إن أصحابك قد أحدثوا شيئًا يقال له: القصائد. قال: مثل إيش؟ قال: مثل قوله:
اصبري يانفس حتى تسكني دار الجليل
فقال: حسن. وأين يكون هؤلاء الذين يستمعون ذلك؟ قال: قلت: ببغداد. فقال: كذبوا ـ واللّه الذي لا إله غيره ـ لا يسكن ببغداد من يستمع ذلك.
قال أبو عبد اللّه: ومما نقول ـ وهو قول أئمتنا ـ: إن الفقير إذا احتاج وصبر ولم يتكفف إلى وقت يفتح اللّه له كان أعلى، فمن عجز عن الصبر كان السؤال أولى به على قوله صلى الله عليه وسلم: (أن يأخذ أحدكم حَبْلَه) الحديث، ونقول: إن ترك المكاسب غير جائز إلا بشرائط موسومة من التعفف والاستغناء /عما في أيدي الناس، ومن جعل السؤال حرفةـ وهو صحيح ـ فهو مذموم في الحقيقة خارج.
ونقول: إن المستمع إلى (الغناء، والملاهي) فإن ذلك كما قال ـ عليه السلام ـ: (الغناء ينبت النفاق في القلب) ، وإن لم يكفر فهو فسق لا محالة.
والذي نختار: قول أئمتنا: أن ترك المراء في الدين، والكلام في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق، ومن زعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم واسط يؤدى، وأن المرسل إليهم أفضل ـ فهو كافر باللّه، ومن قال بإسقاط الوسائط على الجملة فقد كفر. ا. هـ.
ومن متأخريهم الشيخ الإمام أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني، قال في كتاب [الغنية] : أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار، فهو أن يعرف ويتيقن أن اللّه واحد أحد. إلى أن قال:
وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] ، {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [السجدة: 5] ؛ ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال: إنه في السماء على العرش، كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] .
/وذكر آيات وأحاديث إلى أن قال: وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش قال: وكونه على العرش مذكورٌ في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف. وذكر كلاما طويلا لا يحتمله هذا الموضع، وذكر في سائر الصفات نحو هذا.
ولو ذكرت ما قاله العلماء في هذا لطال الكتاب جدًا.
قال أبوعمر بن عبد البر: روينا عن مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والأوزاعي، ومعمر بن راشد [في أحاديث الصفات] أنهم كلهم قالوا: أمِرُّوها كما جاءت؛ قال أبو عمر: ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مننقل الثقات أو جاء عنه أصحابه ـ رضي اللّه عنهم ـ فهو علم يُدَان به، وما أحدث بعدهم ـ ولم يكن له أصل فيما جاء عنهم ـ فهو بدعة وضلالة.
وقال في [شرح الموطأ] لما تكلم على حديث النزول، قال: هذا حديث ثابت النقل صحيح من جهة الإسناد، ولا يختلف أهل الحديث في صحته، وهو منقول من طرق ـ سوى هذه ـ من أخبار العدول عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه دليل على أن اللّه في السماء على العرش استوى من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على [المعتزلة] في قولهم: إن اللّه ـ تعالى ـ في كل مكان بذاته المقدسة.