قال: والدليل على صحة ما قال أهل الحق قول اللّه ـ وذكر بعض الآيات ـ/ إلى أن قال: وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم.
وقال أبو عمر بن عبد البر أيضًا: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله: {الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] : هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك من يحتج بقوله.
وقال أبوعمر أيضًا: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يَحُدُّون فيه صفة محصورة.
وأما أهل البدع ـ الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج ـ فكلهم ينكرونها، ولا يحملون شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب اللّه وسنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وهم أئمة الجماعة.
هذا كلام ابن عبد البر إمام أهل المغرب.
وفي عصره الحافظ أبوبكر البيهقي، مع توليه للمتكلمين من أصحاب أبي الحسن الأشعري، وذبه عنهم، قال: في كتابه [الأسماء والصفات] :
باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين ـ لا من حيث الجارحة ـ لورود خبر/ الصادق به، قال اللّه تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ، وقال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 46] .
وذكر الأحاديث الصحاح في هذا الباب، مثل قوله في غير حديث، في حديث الشفاعة: (يا آدم، أنت أبو البشر خلقك اللّه بيده) ، ومثل قوله في الحديث المتفق عليه: (أنت موسى اصطفاك اللّه بكلامه، وخط لك الألواح بيده) ، وفي لفظ: (وكتب لك التوراة بيده) ، ومثل ما في صحيح مسلم (أنه ـ سبحانه ـ غرس كرامة أوليائه في جنة عدن بيده) ، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: (تكون الأرض يوم القيامة خُبْزَةً واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خُبْزَته في السفر؛ نُزُلًا لأهل الجنة) [والخُبْزَة: هي عجين يوضع في الرماد الحار حتى ينضج. والمعنى: أن الله يميل الأرض من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوي كالرغيف العظيم، ويكون ذلك طعامًا نزلا لأهل الجنة] .
وذكر أحاديث مثل قوله: (بيدي الأمر) ، (والخير في يديك) ، (والذي نفس محمد بيده) و (إن اللّه يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) ، وقوله: (المقسطون عند اللّه على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين) ، وقوله: (يطوي اللّه السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟) .
وقوله: (يمين اللّه ملأى لا يَغِيضُها نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه وعرشه على الماء،/ وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع) وكل هذه الأحاديث في الصحاح.