الصفحة 21 من 761

وكل ما سواه فقير إليه، فالعبد فقير إلى الله من جهة ربوبيته ومن جهة إلهيته، كما قد بسط هذا في مواضع.

والإنسان يذنب دائما، فهو فقير مذنب، وربه تعالى يرحمه ويغفر له، وهو الغفور الرحيم، فلولا رحمته وإحسانه لما وجد خير إصلا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولولا مغفرته لما وقى العبد شر ذنوبه، وهو محتاج دائما إلى حصول النعمة، ودفع الضر والشر ولا تحصل النعمة إلا برحمته، ولا يندفع الشر إلا بمغفرته، فإنه لا سبب للشر إلا ذنوب العباد، كما قال تعالى: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79] ، والمراد بالسيئات: ما يسوء العبد من المصائب، وبالحسنات: ما يسره من النعم، كما قال: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168] ، فالنعم والرحمة والخير كله من الله فضلا وجودًا، من غير أن يكون لأحد من جهة نفسه عليه حق، وإن كان ـ تعالى ـ عليه حق لعباده، فلذلك الحق هو أحقه على نفسه، وليس ذلك من جهة المخلوق، بل من جهة الله، كما قد بسط هذا في مواضع.

والمصائب بسبب ذنوب العباد وكسبهم، كما قال: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 30] والنعم، وإن كانت بسبب طاعات يفعلها العبد فيثيبه عليها، فهو ـ سبحانه ـ المنعم بالعبد وبطاعته وثوابه عليها، فإنه ـ سبحانه ـ هو الذى خلق العبد وجعله مسلما طائعا، كما قال الخليل: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: 78] ، وقال: {وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} [البقرة: 128] ، وقال: {اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ} [إبراهيم: 40] ، وقال: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] ، فسأل ربه أن يجعله مسلما وأن يجعله مقيم الصلاة، وقال: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} الآية [الحجرات: 7] ، قال في آخرها: {فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً} [الحجرات: 8] .

وفى صحيح أبى داود وابن حبان: (اهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك، قابليها، وأتممها علينا) ، وفى الفاتحة: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [الفاتحة: 6] وفى الدعاء الذى رواه الطبرإني عن ابن عباس قال: مما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة: (اللهم إنك تسمع كلامى، وترى مكإني، وتعلم سِرّى وعلانيتى، ولا يخفى عليك شىء من أمرى، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوَجِل [أى: الخائف. انظر: لسان العرب، مادة"وجل"] المشفق، المقر بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وذل لك جسده، ورَغِمَ لك أنفسه، اللّهم لا تجعلنى بدعائك رب شقيا، وكن بى رؤوفا رحيما، يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين) .

ولفظ العبد في القرآن يتناول من عَبَدَ الله، فأما عبد لا يعبده فلا يطلق عليه لفظ عبده، كما قال: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42] ، وأما قوله: {إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42] ، فالاستثناء فيه منقطع، كما قاله أكثر المفسرين والعلماء، وقوله: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} [الإنسان: 6] ، {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] ، {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت