[ص: 17] و {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 30، 44] ، {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ} [ص: 41] ، {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ} [ص: 45] ، {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا} [الكهف: 65] ، {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] ، {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: 3] ، {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة: 23] ، {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10] ، {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} [الجن: 19] ، {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان: 1] . ونحو هذا كثير. وقد يطلق لفظ العبد على المخلوقات كلها، كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأعراف: 194] ، {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء} [الكهف: 102] قد يقال في هذا: إن المراد به الملائكة، والأنبياء، إذا كان قد نهى اتخاذهم أولياء فغيرهم بطريق الأولى، فقد قال: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] .
وفى الحديث الصحيح الذى رواه مسلم في الدَّجَّال: (فيوحى الله إلى المسيح أن لى عبادًا لا يَدَان لأحد بقتالهم) ، وهذا كقوله: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا} [الإسراء: 5] ، فهؤلاء لم يكونوا مطيعين لله، لكنهم مُعَبَّدُونَ، مُذَللونَ، مقهورون، يجرى عليهم قدره.
وقد يكون كونهم عبيدًا: هو اعترافهم بالصانع وخضوعهم له وإن كانوا كفارًا، كقوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106] ، وقوله: {إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] أى: ذليلًا خاضعا. ومعلوم أنهم لا يأتون يوم القيامة إلا كذلك، وإنما الاستكبار عن عبادة الله كان في الدنيا، ثم قال: {لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 94، 95] ، فذكر بعدها أنه يأتى منفردًا، كقوله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 94] ، وقال: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: 83] ، {وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} الآية [الرعد: 15] ، وقال: {بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] ، فليس المراد بذلك مجرد كونهم مخلوقين مدبرين مقهورين تحت المشيئة والقدرة، فإن هذا لا يقال طوعا وكرها، فإن الطوع والكره إنما يكون لما يفعله الفاعل طوعا وكرها، فأما ما لا فعل له فيه فلا يقال له: ساجد أو قانت، بل ولا مسلم، بل الجميع مقرون بالصانع بفطرتهم، وهم خاضعون مستسلمون، قانتون مضطرون من وجوه:
-منها: علمهم بحاجتهم وضرورتهم إليه.
-ومنها: دعاؤهم إياه عند الاضطرار.
-ومنها: خضوعهم واستسلامهم لما يجرى عليهم من أقداره ومشيئته.
-ومنها: انقيادهم لكثير مما أمر به في كل شىء، فإن سائر البشر لا يُمَكِّنُونَ العبد من مراده، بل يقهرونه ويلزمونه بالعدل الذى يكرهه، وهو مما أمر الله به، وعصيانهم له في بعض ما أمر به ـ وإن كان هو التوحيد ـ لا يمنع كونهم قانتين خاضعين، مستسلمين كرهًا، كالعصاة من أهل القبلة وأهل الذِّمة وغيرهم، فإنهم خاضعون للدين الذى بعث به رسله، وإن كانوا يعصونه في أمور.